الست دي اتحكمت
قديم تابع لأمن الدولة، وأبويا كان محتفظ فيها بأوراق قضايا مهمة قبل ما يتوفى.
ليلى سألته وإنت تعرف مكانها؟
هز راسه أيوه... بس في حاجة عمري ما حكيتها لحد. قبل وفاة أبويا بأسبوع، سلّمني مفتاح صغير وقال لي لو سمعت يومًا اسم عيلة الشناوي، افتح الخزنة رقم 44 فورًا.
ليلى اتجمدت.
عيلة الشناوي كانت عيلة جوزها!
بعد ساعة، وصلوا للمبنى القديم، وكان الضابط الشاب مصمم يدخل بنفسه بعد ما استخرج إذن رسمي من النيابة.
نزلوا للقبو، ووصلوا لممر طويل مليان خزائن حديدية قديمة.
الخزنة رقم 44 كانت في آخر الممر.
الضابط أدخل المفتاح.
لكن أول ما فتح الباب، لقى ظرف كبير مكتوب عليه اسمه!
فتح الظرف، وبدأ يقرأ
إلى ابني كريم...
لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميك من أكبر سر في حياتنا.
الراجل اللي اتقال إنه أبوك مش أبوك الحقيقي... وأمك أخفت عنك الحقيقة طول عمرك.
كريم حس إن الأرض بتتهز من تحته.
ليلى قربت منه وقالت كمل... لازم نعرف.
فتح باقي الخطاب، ولقى صورة لوالده وهو واقف جنب زوج ليلى، ومعاهم طفل صغير.
وعلى ظهر الصورة جملة
الطفل ده هو الوريث الحقيقي لعيلة الشناوي.
ليلى بصت للصورة بتركيز، وفجأة عينيها اتسعت.
الطفل كان جوزها!
لكن إيه علاقة كريم بالموضوع؟
كريم كمل تفتيش الخزنة، فلقى تسجيل صوتي قديم، وشغّله.
ظهر صوت والده بيقول
أنا كنت مسؤول عن حماية الطفل ده بعد اختفاء والده الحقيقي. لكن لما اكتشفت إن في ناس من العيلة عايزين يتخلصوا منه علشان يستولوا على الميراث، قررت أخفيه بعيد عنهم.
ليلى همست يعني جوزي كان عايش باسم مش اسمه الحقيقي؟
وفجأة التسجيل انتقل لجزء تاني.
الصوت قال
أما الست اللي اتحكم عليها بالإعدام، فهي الوحيدة اللي تعرف مكان الوثيقة الأصلية... لكن هي نفسها مش عارفة إنها معاها.
ليلى بدأت تفتش في شنطتها بعصبية.
طلعت السلسلة الفضية القديمة اللي كانت معاها من المقابر.
كريم بص للسلسلة وقال استني... دي مش مجرد سلسلة!
فك الجزء الخلفي منها، وظهر تجويف صغير جواه ورقة مطوية بعناية.
فتحها...
وكان مكتوب فيها
إذا وصلت هذه الورقة إلى ليلى، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة إليها. أطلب منها أن تسامحني، وأن تبحث عن ابنتنا التي لم تمت كما أخبروها.
ليلى شهقت، ووقعت الورقة من إيدها.
بنتنا؟! أنا ما خلفتش غير طفل واحد ومات بعد الولادة!
كريم رفع عينه ليها وقال
ليلى... إنتِ متأكدة إنك شوفتي جثمان بنتك وقتها؟
قبل ما ترد، وصل صوت خطوات سريعة من آخر الممر.
كريم طلع سلاحه ونادى مين هناك؟!
ظهر رجل يرتدي معطفًا أسود، وفي إيده ملف طبي قديم.
وقف قدامهم وقال بهدوء
أنا الدكتور اللي كتب شهادة وفاة بنتك... وجيت أعترف بالحقيقة.
ثم وضع الملف على الأرض وقال جملة جعلت ليلى تصرخ من أعماق قلبها
بنتك عايشة يا ليلى... وأنا عارف هي موجودة فين، لكن لو عرفتوا مين اللي رباها كل السنين دي، مش هتصدقوا أبدًا!
الضابط الشاب فضل باصص للصورة، وإيده بتترعش.
ليلى قربت منه وسألته إنت تعرف الراجل ده؟
رد بصوت مخنوق ده أبويا... بس إزاي صورته مع جوزك؟ أبويا مات من خمسة عشر سنة!
ليلى خطفت الصورة من إيده وبصت للتاريخ المكتوب وراها.
كان التاريخ قبل وفاة والد الضابط بيوم واحد فقط!
قالت يبقى أبوك كان عارف الحقيقة من زمان... ويمكن موته ما كانش طبيعي زي ما اتقالك.
الضابط سكت لحظات، وبعدين قال أنا محتاج أعرف كل حاجة، حتى لو الحقيقة هتدمر حياتي.
اتحركوا فورًا ناحية المستشفى المذكورة في الورقة.
كانت مستشفى قديمة، اتقفلت أجزاء كبيرة منها من سنين، لكن غرفة رقم 12 كان عليها حراسة مشددة.
لما وصلوا، الممرضة المسؤولة وقفت قدامهم وقالت محدش يقدر يدخل الغرفة دي من غير إذن مدير المستشفى.
الضابط أخرج بطاقته إحنا من النيابة، وعايزين نعرف مين المريض الموجود هنا.
الممرضة بصت لليلى، وفجأة وشها اصفر.
وقالت بصوت واطي إنتِ ليلى؟!
ليلى اتفاجئت أيوه... إنتِ تعرفيني؟
الممرضة بدأت تبكي وقالت أنا كنت موجودة ليلة وفاة جوزك... وشفت حاجة محدش صدقني لما حكيتها.
الضابط سألها بسرعة إيه اللي شوفتيه؟
الممرضة بصت ناحية باب الغرفة وقالت الراجل اللي جوا ده وصل المستشفى في نفس الليلة اللي اتقال فيها إن جوزك مات... وكان مصاب بنفس الإصابة اللي اتسببت في موته!
ليلى حطت إيدها على بقها.
يعني إيه؟ هو مين؟
الممرضة طلعت مفتاح من جيبها وفتحت الباب ببطء.
الغرفة كانت ضلمة، وعلى السرير راجل عجوز متوصل بأجهزة طبية.
أول ما سمع صوت الباب، فتح عينيه بصعوبة.
ليلى قربت منه خطوة...
وفجأة شهقت ووقعت على الكرسي.
لأن الراجل ده كان والد جوزها!
واللي اتقال إنه مات قبل جوازهم بعشرين سنة!
الرجل مد إيده المرتعشة ناحيتها وقال
ليلى... سامحيني... أنا السبب في كل اللي حصلك.
ليلى كانت مش قادرة تنطق.
سألته والدموع في عينيها إنت عايش طول السنين دي ليه؟ وليه سيبت ابنك يموت واتهموني أنا؟
العجوز حاول يتكلم، لكن جهاز المراقبة بدأ يصدر صوت إنذار.
الضابط نادى الطبيب، وفي اللحظة دي العجوز مسك إيد ليلى بقوة غير متوقعة وهمس
جوزك ما ماتش في البيت... هو خرج من البيت حي... واللي دفناه مكانه كان شخص تاني!
ليلى شهقت أمال مين اللي في القبر؟!
العجوز حاول يرفع إيده ويشاور على الضابط الشاب.
وقال آخر جملة قبل ما يفقد وعيه
اسألي ابن الضابط... هو الوحيد اللي يعرف مين اتدفن مكان جوزك... لأن أبوه كان شاهد على تبديل الجثمان!
الضابط الشاب رجع لورا وكأنه اتلقى ضربة.
وفجأة تليفونه رن...
كان اتصال من رقم مجهول.
رد بصوت مرتعش، فجاله صوت راجل قال
لو عايز تعرف الحقيقة عن أبوك، روح افتح الخزنة رقم 44... بس خلي بالك، اللي قتل أبوك لسه عايش، وعارف إنك وصلت للخزنة!
وبعدها المكالمة اتقطعت.
ليلى بصت للضابط وقالت
واضح إن القضية أكبر من مجرد جريمة قتل...
لكنها ما كانتش تعرف إن الخزنة رقم 44 مخبّي فيها اعتراف هيغيّر مصيرها بالكامل!
ليلى قربت من الدكتور وهي مش قادرة تتحكم في أعصابها، وصرخت
بنتي فين؟! قولّي بنتي فين؟! أنا دفنتها بإيدي من غير حتى ما أشوف وشها!
الدكتور نزل عينه وقال أنا عارف إن اللي هقوله صعب، بس لازم تسمعيني للآخر. بنتك ما ماتتش، هي اتولدت عايشة، لكن في الليلة دي وصلني أمر بتسجيل وفاتها وتسليمها لشخص معين.
كريم سأله بغضب مين اللي أصدر الأمر ده؟
الدكتور فتح الملف وطلع شهادة ميلاد قديمة، وقال الشخص اللي استلم الطفلة كان جدها من ناحية أبوها... محمود الشناوي.
ليلى رجعت لورا وهي بتردد جدها؟! ده كان بيقول إنه عمره ما اعترف بيا، وكان رافض جوازي من ابنه!
الدكتور رد لأنه كان عارف إن ابنك... أقصد بنتك، هي الوريثة الوحيدة لثروة العيلة، وإن وجودها كان هيمنع أشخاص معينين من الاستيلاء على الميراث.
ليلى مسكت الورقة وقالت طب فين بنتي دلوقتي؟
الدكتور أخرج صورة حديثة من الملف.
كانت صورة بنت شابة، حوالي عشرين سنة، واقفة قدام مبنى جامعي وبتضحك.
ليلى فضلت تبص للصورة، وبعدين حطت إيدها على قلبها.
كان في علامة صغيرة على رقبة البنت، نفس العلامة اللي كانت ليلى بتشوفها في أحلامها من يوم الولادة.
سألت الدكتور بصوت مبحوح اسمها إيه؟
رد اسمها نور... واتربت طول عمرها على إنها بنت محمود الشناوي.
كريم اتدخل يعني جدها رباها بنفسه؟
الدكتور هز راسه لأ... محمود مات من سنين، واللي رباها بعده هو الشخص اللي كان مسؤول عن إدارة أملاك العيلة.
ليلى سألته مين؟
الدكتور سكت شوية، وبعدين قال عماد... أخو جوزك الأصغر.
في اللحظة دي، ليلى افتكرت اختفاء عماد من الشقة، وفهمت إنه كان عارف مكان بنتها من البداية.
لكن قبل ما تلحق تسأل سؤال تاني، تليفون الدكتور رن.
رد، وبعد ثواني وشه اتغير.
قال بصوت واطي نور اختفت... والبيت اللي كانت عايشة فيه اتلاقى مفتوح، وكل أوراقها اختفت.
ليلى صرخت مين خد بنتي؟!
الدكتور رد مش عارف... لكن في رسالة اتسابت على باب البيت.
كريم أخد الرسالة وفتحها.
كان مكتوب فيها
لو عايزة تشوفي بنتك، تعالي لوحدك للمكان اللي اتولدتي فيه... ومتجيبيش معاكي الشرطة. المرة دي مش هنسمحلك تخرجي بالحقيقة.
ليلى رفعت عينيها لكريم وقالت
أنا رايحة... حتى لو كان آخر يوم في عمري.
لكن كريم مسك إيدها وقال مش هتروحي لوحدك، وأنا مش هسمح لحد يضيع بنتك زي ما ضيعوا أبويا.
وفي اللحظة دي، ظهر إشعار على موبايل ليلى من رقم مجهول.
صورة لنور وهي قاعدة في غرفة مظلمة، وبجانبها ساعة حائط بتشير إلى الثانية عشرة.
وتحت الصورة جملة واحدة
قبل منتصف الليل، لازم تعرفي مين اللي أصدر حكم الإعدام عليكي... لأن القاضي نفسه مش عارف إنه أصدر الحكم بناءً على دليل مزوّر!
ليلى بصت للتاريخ الموجود أسفل الصورة...
واكتشفت إن الصورة اتصورت من دقائق، لكن الشخص اللي كان واقف خلف نور في الصورة كان شخصًا دفنوه من عشرين سنة!
ليلى فضلت تبص للصورة، وكأن عقلها رافض يستوعب اللي شايفاه.
الشخص اللي واقف خلف نور كان لابس نفس البدلة اللي اتدفن بيها والد جوزها محمود الشناوي، واللي اتقال إنه مات من عشرين سنة!
كريم قرب الصورة من عينه وقال مستحيل... ده مش ممكن يكون جدي!
الدكتور اتوتر وقال أنا شفت الراجل ده قبل كده... وكنت متأكد إنه مات.
ليلى بصتله بحدة كفاية أسرار! أنا عايزة أعرف بنتي فين، ومين اللي بيحرك كل ده!
الدكتور فتح درج مكتبه وطلع خريطة قديمة، وحط صباعه على مكان محدد.
المكان اللي اتولدتي فيه كان مستشفى صغيرة في أطراف البلد، اتقفلت من عشرين سنة بعد حريق