الست دي اتحكمت
الست دى أتحكم عليها بالإع دام وساعة الحكم صرخت وقالت
استنوا... متنفذوش الحكم! أنا مش عايزة أشوف حد من
أهلي... أنا عايزة أزور قبر جوزي!
الجملة دي خلت قاعة المحكمة كلها تسكت كأن الزمن وقف فجأة.
القاضي رفع عينه من الأوراق وبصلها باستغراب، والناس كلها اتلفتت ناحيتها.
كانت واقفة بالبدلة الحمرا، وشها شاحب لكن عينيها ثابتة بشكل غريب، وكأنها مخبية سر أكبر بكتير من القضية اللي شغلت البلد كلها.
القاضي سألها قبر جوزك؟! أيوه يا سيادة القاضي... ده آخر طلب ليا قبل تنفيذ الحكم.
واحدة من الستات اللي كانت قاعدة في القاعة همست بعد اللي عملته فيه لسه عايزة تزور قبره؟
والتانية ردت يمكن ضميرها صحي متأخر.
لكن الست هزت راسها وقالت بصوت سمعه كل اللي موجودين لو كنت مذنبة فعلًا مكنتش طلبت الطلب ده.
الكلمات دي خلت الهمس يزيد أكتر.
لأن القضية كانت واضحة بالنسبة للجميع...
من سنة كاملة اتوفى جوزها بشكل غامض داخل بيته.
الشرطة حققت، والشهود شهدوا، والأدلة كلها كانت ضدها.
حتى أهل الراجل وقفوا قدام المحكمة وقالوا إنها كانت آخر شخص شافه قبل موته.
وكل ما كانت تحاول تدافع عن نفسها محدش كان بيصدقها.
وفي النهاية صدر الحكم.
يومها الكل كان مستني يشوف دموعها أو انهيارها.
لكن الغريب إنها كانت هادية بشكل مخيف.
كأنها مستنية حاجة معينة تحصل.
القاضي رجع سألها مفيش طلب تاني؟ لا... بس زيارة القبر.
وبعد مداولات قصيرة تمت الموافقة.
وفي صباح اليوم التالي خرج موكب صغير من المحكمة متجه للمقابر.
عربيات الشرطة كانت محاوطة المكان، والفضوليين تجمعوا من كل ناحية.
الخبر انتشر بسرعة المتهمة بقتل زوجها رايحة تزور قبره قبل تنفيذ الحكم.
ولما وصلت قدام المقبرة، نزلت من العربية وهي بتبص حواليها كأنها بتدور على حد.
أحد الضباط قال خمس دقايق بس.
هزت رأسها وسكتت.
وببطء شديد مشت ناحية القبر.
أول ما وقفت قدامه نزلت على ركبتها.
وحطت إيديها على التراب.
وبدأت تبكي بطريقة خلت حتى بعض الحاضرين يتأثروا.
وفجأة سمعوها بتقول سامحني... اتأخرت سنة كاملة.
الضابط قرب منها يلا الوقت خلص.
لكنها وقفت بسرعة وقالت لا... الحقيقة لسه ما ظهرتش.
وبعدين عملت حاجة محدش كان متوقعها.
طلعت من جيبها مفتاح صغير قديم مربوط في سلسلة فضة
المفتاح الصغير كان قديم، وعليه آثار صدأ، لكن الغريب إن أول ما الضابط شافه اتغير لون وشه فجأة.
صرخ فيها إنتِ جبتي المفتاح ده منين؟!
بصتله بهدوء وقالت جوزي سابهولي قبل ما يموت... وقال لي لو في يوم اتحكم عليّا في قضيته، لازم أرجع للمكان ده وأستخدم المفتاح.
الضابط اتبادل النظرات مع زميله، وبعدين سألها وليه مستنيتي سنة كاملة عشان تتكلمي؟
مسحت دموعها وقالت لأن جوزي طلب مني أوعده إني ما أفتحش السر ده غير لما الشخص اللي قتله يفتكر إنه انتصر.
الجملة نزلت على الموجودين زي الصاعقة.
واحد من الضباط قرب منها وقال بعصبية بتقولي إن في حد تاني قتله؟ عندك دليل؟
ردت وهي بتشاور على القبر الدليل مش جوا القبر... الدليل تحت القبر.
الضابط بص للحفار المسؤول عن المقابر، وبعد تردد بدأوا يرفعوا إحدى البلاطات الحجرية الموجودة بجانب المدفن.
تحت البلاطة ظهر صندوق حديد صغير، مغلق بقفل قديم.
الست مدت إيدها بالمفتاح، وفتحته بنفسها.
جواه كان فيه
صورة قديمة لجوزها مع ثلاثة رجال.
فلاشة صغيرة.
ظرف مكتوب عليه بخط إيده إلى الشخص اللي هيكتشف الحقيقة بعد موتي.
وورقة عليها تاريخ قبل وفاته بيوم واحد.
الضابط فتح الظرف وبدأ يقرأ بصوت مرتعش
لو مراتي وصلت للصندوق ده، يبقى الخطة نجحت... لكن في حاجة لازم تعرفوها أنا ما متّش بالطريقة اللي اتقالت في التحقيق.
وفجأة الست صرخت اقلب الورقة يا حضرة الضابط... واقرأ الاسم اللي مكتوب وراها!
قلب الضابط الورقة...
وأول ما شاف الاسم، رجع خطوتين لورا، وبص ناحية رجال الشرطة اللي واقفين.
لأن الاسم المكتوب كان اسم الشخص اللي أشرف بنفسه على التحقيق في قضية وفاة الزوج!
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية...
الضابط المسؤول عن القضية مد إيده فجأة ناحية الصندوق وقال بصوت حاد
اقفلوا المكان فورًا... محدش يلمس أي حاجة!
وفي اللحظة دي، الفلاشة اللي جوه الصندوق بدأت تصدر صوت صفير متقطع...
والست رفعت عينيها وقالت جملة خلت الضابط يتجمد مكانه
هو عارف إننا فتحنا الصندوق... وعارف إن التسجيل اللي جواه هيفضحه قدام البلد كلها!
الضابط المسؤول عن القضية حاول يخفي ارتباكه، ومد إيده بسرعة وخطف الصندوق من فوق الأرض.
لكن الست صرخت بأعلى صوتها
محدش يسيب الصندوق معاه! ده هو الشخص اللي جوزي كان بيحذرني منه!
الضابط لف ناحيتها بغضب وقال اخرسي! إنتِ محكومة بالإعدام، ومفيش حد هنا هيصدق أكاذيبك!
لكن ضابط شاب كان واقف بعيد اتحرك فجأة، ووقف بينه وبين الصندوق.
وقال حضرتك، من فضلك سيب الصندوق. لازم يتسلم للنيابة ويتفحص رسميًا.
الضابط الكبير بصله نظرة تهديد إنت نسيت نفسك؟ أنا اللي كنت مسؤول عن القضية دي!
رد الشاب وده بالضبط سبب إننا لازم نراجع كل حاجة من الأول.
في اللحظة دي، الست ابتسمت لأول مرة من ساعة ما وصلت المقابر.
وقالت افتحوا الظرف التاني... جوزي كان متوقع إن أول ظرف مش هيكون كفاية.
الضابط الشاب رجع للصندوق، ولقى ظرف صغير ملزوق في قاعه. فتحه بحذر، وطلع منه خطاب مكتوب بخط الزوج.
كان مكتوب فيه
أنا عارف إن مراتي هتدفع تمن سكوتها غالي، وعارف إن اللي قتلني مش هيكتفي بتلفيق التهمة ليها... علشان كده سبت دليل أخير، مش هيقدر أي حد يزوّره.
وتحت الكلام كان فيه عنوان شقة قديمة في وسط البلد، ورقم غرفة محدد 17.
الضابط الشاب سألها إيه الموجود في الشقة دي؟
ردت بصوت مكسور آخر مكان جوزي راح له قبل ما يموت... والمكان اللي اختفى منه شاهد واحد كان ممكن ينقذني.
مين الشاهد؟
بصت في عينيه وقالت
أخو جوزي الأصغر... اللي أهله قالوا إنه مات في حادث بعد وفاة أخوه بأسبوعين!
الضابط اتصدم إزاي؟ إحنا استلمنا شهادة وفاته!
هزت راسها وقالت لأنه ما ماتش... أنا شفته بعيني من يومين.
وفجأة رن تليفون الضابط الشاب.
رد، وبعد ثواني وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة وبص للست وقال
إحنا لازم نتحرك حالًا... الشقة رقم 17 اتفتحت من عشر دقايق، وفي شخص موجود جواها.
سألته بلهفة مين؟
بلع ريقه وقال
صاحب الصورة التالتة... الشخص اللي واقف جنب جوزك في الصورة القديمة.
لكن قبل ما يتحركوا، وصل اتصال تاني للضابط...
والخبر اللي سمعه خلّى كل الموجودين يسكتوا
الشخص الموجود في الشقة طلب مقابلة المتهمة شخصيًا، وقال إنه مش هيتكلم غير قدامها... لأنه عنده اعتراف يثبت مين اللي قتل جوزها، وليه هي اتحكم عليها بالإعدام!
الضابط الشاب بص للست وقال عندك استعداد تواجهي الشخص ده؟ ممكن يكون هو نفسه اللي ورّطك في القضية!
ردت من غير تردد أنا بقالي سنة مستنية اللحظة دي... ومش خايفة من الحقيقة مهما كانت.
بعد أقل من نص ساعة، كانت عربيات الشرطة بتتحرك ناحية وسط البلد، والست قاعدة في العربية بين ضابطين، ماسكة السلسلة الفضية في إيديها.
طول الطريق كانت ساكتة، لحد ما الضابط الشاب سألها ممكن أفهم حاجة؟ لو جوزك كان عارف إن حياته في خطر، ليه ما بلغش الشرطة؟
بصت من الشباك وقالت لأنه كان فاكر إن الشرطة كلها في صفه... لحد ما اكتشف إن أقرب الناس ليه كانوا بيبيعوا أسراره.
وصلوا للعنوان، وطلعوا للدور الرابع.
الشقة رقم 17 كان بابها مفتوح، وجواها راجل كبير قاعد على كرسي، قدامه صورة قديمة لجوزها.
أول ما شافها، وقف بصعوبة وقال كنت عارف إنك هتيجي يا ليلى.
ليلى اتجمدت مكانها.
ده كان عماد... أخو جوزها الأصغر، اللي اتقال إنه مات من سنة!
قربت منه وهي مش مصدقة إنت عايش؟! إزاي؟ وليه سيبتني أتحاكم لوحدي؟
عماد نزل عينه وقال لأن لو كنت ظهرت وقتها، كانوا هيقتلوكي قبل ما توصلي للحقيقة.
صرخت فيه وأنا اتحكم عليّا بالإعدام! كنت مستني إيه أكتر من كده؟!
عماد فتح درج المكتب وطلع ملف أسود مليان أوراق.
وقال أخويا اكتشف قبل موته إن والده كان سايب ميراث ضخم، لكن في وصية سرية بتمنع أي حد من التصرف فيه غير لما تظهر حقيقة اختفائه.
ليلى عقدت حاجبيها وإيه علاقة ده بموت جوزي؟
رد عماد أخويا ما كانش بيدور على الفلوس... كان بيدور على الحقيقة اللي أبونا دفنها من عشرين سنة.
وفجأة فتح الملف على آخر صفحة، وناولها صورة قديمة.
ليلى أول ما شافت الصورة، وقعت منها الورقة.
الصورة كانت لطفل صغير واقف قدام بيت العيلة، وعلى ظهرها تاريخ ميلادها هي!
همست مستحيل... أنا أعرف البيت ده... ده بيت أهلي!
عماد قال بصوت مرتعش لأن جوزك اكتشف إن في سر في نسبك، سر لو ظهر هيغيّر كل حاجة.
لكن قبل ما يكمل، سمعوا صوت ارتطام قوي عند باب الشقة.
الضابط الشاب جري ناحية الباب، لكنه لقى الممر فاضي.
رجع بسرعة، واكتشف إن عماد اختفى من مكانه!
والملف الأسود اختفى معاه.
لم يتبقَّ سوى ورقة صغيرة على المكتب، مكتوب فيها
ليلى مش هي المستهدفة الوحيدة... الحقيقة الحقيقية موجودة في غرفة المستشفى رقم 12، واللي فيها عايش من يوم وفاة جوزها!
ليلى رفعت عينيها للضابط وسألته بصوت مرتعش
مين اللي عايش؟!
لكن الضابط ما ردش...
لأنه كان بيبص للصورة اللي سقطت من الملف، واكتشف إن الشخص الواقف بجوار زوجها فيها هو والده المتوفى من خمسة عشر عامًا!
الضابط الشاب فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب المكالمة.
ليلى مسكت دراعه وقالت لازم نروح للخزنة دي فورًا... يمكن دي فرصتنا الوحيدة نثبت براءتي.
رد عليها الخزنة موجودة في مبنى