يوم ما رحنا نشتري شبكتي
عايزة هدايا، أنا عايزة بس المعاملة تكون كويسة.
مسكت إيدي وقالت عارفة، وأنا هحاول. مش هقولك إني هبقى ملاك، بس أوعدك إني مش هرجع أجرحك بالكلام ده تاني.
بعدها بفترة، عرفت إني حامل.
محمود كان فرحان بشكل ما يتوصفش، وأمه لما عرفت جت زارتني، وقعدت جنبي وسألتني عن صحتي، وبدأت تساعدني من غير ما تفرض عليا حاجة.
وفي الشهر الرابع، كنا قاعدين كلنا على الغدا، وعفاف بصتلي وقالت
نورهان، أنا عايزة أقولك حاجة.
قلت اتفضلي.
قالت أنا كنت فاكرة إن الست لازم تبقى بشكل معين علشان تستحق تتجوز وتتحب، لكن لما شوفتك مع ابني، وعرفت إنك واقفة جنبه في كل ظروفه، فهمت إن البيوت مش بتتبني بالمقاسات.
محمود ابتسم وقال أهو يا ماما، أخيراً فهمتي.
ضحكنا كلنا.
وبعد شهور، ولدت بنت جميلة، ومحمود سماها ليلى.
أول ما أمه شالتها، فضلت تبوس فيها وتقول
دي حفيدتي وحبيبة قلبي.
وبعد ما خرجت من المستشفى، لقيت أمي مجهزة البيت، وحاطة الشبكة القديمة في علبتها على التسريحة.
سألتها إنتي طلعتيها ليه يا ماما؟.
قالت علشان تفتكري إن اليوم اللي كان فاكرة إنه نهاية فرحتك، كان مجرد بداية لدرس كبير.
وبعدين بصتلي وقالت
بس أوعي تنسي نفسك تاني علشان ترضي أي حد.
حضنتها، وبصيت لبنتي النائمة في سريرها، وحسيت إن الدنيا أخيراً هديت.
بعد سنة تقريباً، كنا في عيد ميلاد ليلى الأول، والعيلة كلها متجمعة.
عفاف كانت واقفة بتوزع الحلوى، وفجأة واحدة من قرايبها بصتلي وقالت وهي بتضحك
يا نورهان، إنتي لسه زي ما إنتي، ما خسيتيش بعد الولادة؟.
قبل ما أرد، عفاف بصتلها وقالت بحزم
هو وزنها يخصك في إيه؟ دي مراتي ابني وأم حفيدتي، وإحنا مش بنقيس قيمة الست بالميزان. لو عندك كلمة حلوة قوليها، غير كده خليكي في حالك.
بصيتلها وابتسمت.
محمود كان واقف جنبي، ضغط على إيدي وقال
سمعتي؟.
ضحكت وقلت سمعت، بس أنا أصلاً مبقتش مستنية حد يدافع عن شكلي علشان أحبه.
سألني يعني إيه؟.
قلت يعني أنا حبيت نفسي من زمان، واللي يحبني لازم يحبني باحترامي وشخصيتي، مش برقم على الميزان.
في آخر اليوم، وبعد ما الضيوف مشيوا، لقيت محمود قاعد قدام علبة الشبكة القديمة، وبيبتسم.
قلتله بتبص عليها ليه؟.
قال عارفة يا نورهان، أنا كل ما أشوفها أفتكر اليوم اللي خسرتك فيه بإيدي، وأفتكر إن ربنا اداني فرصة تانية.
قلتله وأنا كل ما أشوفها أفتكر إن الإنسان ممكن يتجرح من كلمة، وممكن كلمة تانية تداويه، بس الأهم إن محدش يسمح لحد يكسر كرامته.
قرب مني وقال وعد مني، عمري ما هخليكي تحسي إنك لوحدك تاني.
ابتسمت وقلت خليك فاكر الوعد ده طول عمرك.
وبعد ما دخلت أوضتي أطمن على ليلى، لقيت ورقة صغيرة محطوطة جنب سريرها.
فتحتها، وكانت مكتوبة بخط محمود
إلى ابنتي ليلى.. أتمنى لما تكبري تعرفي إن أمك كانت أجمل اختيار في حياتي، مش علشان شكلها، لكن علشان قلبها، وإنك عمرك ما تسمحي لأي إنسان يقنعك إنك أقل من غيرك. قيمتك مش في رأي الناس، قيمتك في نفسك.
وقفت قدام سرير بنتي ودموعي نزلت.
افتكرت نفسي وأنا واقفة في محل الدهب، بسمع كلمة قد العجل، وافتكرت إزاي كنت فاكرة إن الكلمة دي ممكن تفضل مطاردة ليا طول عمري.
لكن الحقيقة إني خرجت من التجربة دي بحاجة أكبر من شبكة ودهب وجواز.
خرجت وأنا عارفة إن كرامتي مش قابلة للتفاوض، وإن اللي بيحبني لازم يحترمني في وجود الناس قبل غيابهم.
أما محمود، ففضل فاكر طول عمره إن أصعب لحظة في حياته ما كانتش يوم ما خطوبته اتفسخت، ولا يوم ما اختلف مع أمه، لكنها
كانت اللحظة اللي شاف فيها الست اللي بيحبها بتتجرح قدامه، واختار يسكت.
ومن يومها اتعلم إن الراجل مش اللي صوته عالي، ولا اللي يقدر يفرض رأيه على أهل بيته، الراجل هو اللي يعرف يحمي بيته من غير ما يظلم حد، ويبر أمه من غير ما يسمح لها تكسر مراته.
وعشت أنا ومحمود وليلى، مش حياة من غير خلافات، لكن حياة فيها احترام، وكل ما حد يسألني عن سر نجاح جوازنا، أبتسم وأقول
السر إننا اتعلمنا إن الحب لوحده مش كفاية، وإن الكرامة لو اتكسرت، الاعتذار وحده مش دايماً بيصلحها... لازم يتبعه تغيير حقيقي.
والحمد لله الذي عوضني عن يوم بكيت فيه من كلمة، بأيام بقيت فيها أضحك وأنا رافعة راسي.