في الفترة الأخيرة
حقوق فيه!
روبرت قعد على الكرسي وقال لأنها كانت صاحبة النصيب الأكبر في البيت، لكن تنازلت عنه زمان علشان تساعد والدها في أزمة مالية كبيرة.
دانيال قاطعه وده مش كل شيء. مارغريت سابت خطاب لجورج قبل سفرها، وطلبت منه يحتفظ بيه لحد ما ييجي الوقت المناسب.
إيميلي كانت واقفة ساكتة، وعينيها مليانة دموع.
بصيتلها وقلت إنتِ عارفة حاجة عن مارغريت؟
ردت بصوت واطي أيوه يا ماما... أنا قابلتها مرة واحدة وأنا عندي عشر سنين.
اتصدمت!
قابلتيها؟! إمتى؟ وليه محدش قالي؟
إيميلي طلعت من جيبها صورة صغيرة، وقالت بابا أخدني أقابلها من غير ما يقولك، وطلب مني أوعده إني محتفظش بالصورة دي غير لما أكبر.
أخدت الصورة منها.
كانت صورة لإيميلي وهي طفلة، واقفة جنب ست عجوزة بتبتسم، وخلفهم نفس البيت القديم.
لكن اللي لفت نظري إن الست كانت لابسة سلسلة ذهبية عليها نفس العلامة الموجودة على خاتم زواجي!
روبرت شاف السلسلة وقال بدهشة يا إلهي... دي سلسلة مارغريت الأصلية!
وبعدين قرب من الصورة وقال يبقى هي كانت عارفة إن سوزان هتوصل للحقيقة في يوم من الأيام.
سألته طب هي فين دلوقتي؟!
قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت.
إيميلي بصت من الشباك، وبعدها رجعت وهي مش قادرة تتكلم.
قلت لها مالك؟ مين اللي وصل؟
قالت ماما... فيه ست كبيرة نازلة من العربية، ومعاها نفس السلسلة اللي في الصورة.
خرجنا كلنا ناحية الباب.
كانت ست عجوزة، شعرها أبيض ووشها مليان تجاعيد، لكنها كانت بتبتسم ابتسامة دافئة.
أول ما شافتني قالت
أخيرًا يا سوزان... أخيرًا قدرت أشوفك بعد كل السنين دي.
قربت مني ومسكَت إيدي.
وقالت بصوت مبحوح
أنا مارغريت، وعندي حاجة لازم أسلمهالك بنفسي قبل ما يكون الوقت فات.
وبعدين طلعت من شنطتها ظرفًا كبيرًا، عليه ختم قديم.
لكن قبل ما تديني الظرف، بصت لروبرت ودانيال وقالت
إنتوا الاتنين لازم تخرجوا من البيت دلوقتي. الكلام اللي جاي يخص سوزان وإيميلي بس.
روبرت اعترض مارغريت، إحنا قضينا سنين بندور على الحقيقة!
ردت بحزم وعشان كده بالذات لازم تسمعوا مني الحقيقة كاملة.
فتحت الظرف وطلعت منه وثيقة قديمة، وبعد ما بصيت فيها، حسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.
لأن الوثيقة كانت بتثبت إن فيه قرار اتاخد يوم ولادة إيميلي...
قرار كان ممكن يغيّر مستقبل بنتي بالكامل!
رفعت عيني لمارغريت وسألتها
إنتِ عايزة تقوليلي إن بنتي كانت ليها حكاية تانية وأنا معرفش عنها حاجة؟!
مارغريت مسحت دمعة من عينها وقالت
لا يا سوزان... إيميلي بنتك، ومفيش أي شك في ده. لكن فيه سر يخص مستقبلها، وجورج قضى آخر أيامه بيحاول يصلحه.
وبعدين أشارت للصفحة الأخيرة في الوثيقة وقالت
اقري الاسم المكتوب هنا كويس... لأنه اسم الشخص اللي ورث الحق اللي كان المفروض يرجع للعيلة كلها.
نظرت للاسم...
وكانت الصدمة إن الاسم هو نفس اسم الشخص اللي كان بيحاول يمنعنا من الوصول للحقيقة من البداية!
يتبع...
حسيت إن قلبي بيدق بعنف، وبصيت لكل الموجودين في الأوضة.
قلت لروبرت تقصد إيه إن الشخص ده وسطنا؟ إنت بتشك في مين؟!
روبرت سكت شوية، وبعدين قال أنا مش عايز أظلم حد، لكن عندي دليل إن فيه حد من العيلة كان عارف مكان الورقة الأصلية، وكان بيحاول يوصلها قبل ما إحنا نكتشف الموضوع.
إيميلي اتعصبت وقالت يعني إنت بتتهم حد فينا؟!
روبرت رد بهدوء أنا مش بتهم، أنا بحاول أفهم الحقيقة.
في اللحظة دي، جيك قرب من الساعة القديمة وقال طب ما نفتحها ونشوف جدو ساب إيه؟
مارتن بدأ يفحص الساعة، وبعد محاولات قدر يفك الغطاء الخلفي.
كان جواها ورقة صغيرة ملفوفة بعناية، ومعاها مفتاح فضي تاني.
أخدت الورقة وفتحتها.
كانت مكتوبة بخط جورج
سوزان، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أخيرًا جه الوقت تعرفي إن البيت القديم مش هو المفاجأة الحقيقية. المفاجأة موجودة في المكان اللي احتفظنا فيه بأول ذكرى لينا مع بعض.
ابتسمت رغم دموعي.
أول ذكرى لينا!
طبعًا عرفت هو يقصد إيه.
كان فيه مقعد خشبي قديم في حديقة البيت، المكان اللي جورج طلب إيدي فيه لأول مرة.
بصيت لدانيال وقلت لازم نروح البيت القديم.
لكن روبرت اعترض بسرعة مش قبل ما نعرف المفتاح التاني بيفتح إيه.
مارتن أخد المفتاح وفحصه، وبعدها قال ده مفتاح خزنة بنكية قديمة، ومحتاجين نعرف رقمها علشان نقدر نوصل للمحتويات.
فجأة إيميلي افتكرت حاجة.
قالت استنوا... أنا فاكرة إن بابا كان محتفظ بدفتر صغير فيه أرقام وحسابات، وكان دايمًا بيكتب فيه تواريخ مهمة بالنسبة له.
سألتها الدفتر ده فين؟
ردت في البيت القديم، جوه مكتبته.
قررنا نروح كلنا، لكن قبل ما نتحرك، روبرت طلب مني أقعد معاه دقيقتين.
قال بصوت هادي سوزان، فيه حاجة لازم تعرفيها عن جورج. في آخر زيارة ليا ليه، قالي إنه خايف إن المشروع اللي تعب عمره كله علشانه يضيع بسبب خلاف قديم بين أفراد العيلة.
سألته خلاف إيه؟
رد خلاف متعلق بحقوق ملكية البيت، وفيه شخص استغل ثقة جورج فيه، وخلّى الأمور تتعقد أكتر مما تتخيلي.
وصلنا البيت القديم بعد حوالي ساعة.
أول ما دخلت، رجعتلي ذكريات شبابي كلها. نفس السلم الخشبي، نفس الشبابيك، وحتى ريحة المكان كانت زي ما هي.
دخلت المكتبة وبدأت أدور على الدفتر.
جيك كان بيساعدني، وفجأة صرخ
تيتة! لقيت حاجة!
كان واقف قدام لوحة كبيرة معلقة على الحيطة.
رفعها بحذر، وظهر وراها درج صغير مخفي.
فتحته، وطلع منه دفتر جلدي قديم، وعلى غلافه مكتوب
حكاية سوزان وجورج.
فتحت أول صفحة، ولقيت تاريخ يوم جوازنا.
لكن الصفحة اللي بعدها كانت فيها جملة غريبة جدًا
في اليوم اللي اتولدت فيه إيميلي، اتاخد القرار اللي غيّر مستقبل البيت كله.
بصيت لبنتي، ولقيتها شاحبة وبتبص للدفتر كأنها شافت شبح.
سألتها إيميلي، إنتِ عارفة حاجة عن الكلام ده؟
هزت راسها ببطء، وقالت
ماما... فيه حاجة بابا قالهالي قبل ما يموت، وأنا وعدته عمري ما أقولها لحد غيرك.
وقبل ما تكمل، مارتن فتح الصفحة الأخيرة من الدفتر، ولقى ورقة مثبتة فيها.
قرأ أول سطر بصوت مرتفع
إلى ابنتي إيميلي... الحقيقة التي لم أخبرك بها أن البيت القديم لم يكن ملكًا لي وحدي.
سكت مارتن، وقلب الصفحة.
وكان مكتوب تحتها اسم شخص آخر...
اسم شخص من العيلة، كنت أنا نفسي نسيته من سنين طويلة!
يتبع...
فضلت باصة للاسم، وبعدين رفعته قدام عيني وقرأته مرة واتنين.
كان الاسم إدوارد ميلر!
نفس المحامي اللي ظهر في صورة فرحي من أكتر من أربعين سنة!
صرخت بدهشة إدوارد؟! إزاي المحامي بقى ليه حق في ممتلكات عيلتنا؟!
مارغريت قعدت على الكرسي، وبدأت تحكي
والد جورج كان بيثق في إدوارد ثقة عمياء، وكان مسؤول عن إدارة ممتلكات العيلة. وبعد وفاته، اكتشفنا إن فيه أوراق اتغيرت، وإن جزء كبير من حقوق العيلة اتنقل بطريقة محدش فهمها.
دانيال قال بغضب إحنا حاولنا نثبت ده، لكن إدوارد كان دايمًا يسبقنا بخطوة.
مارغريت بصتله وقالت لأنكم كنتم بتدوروا في المكان الغلط. المستند الأصلي عمره ما خرج من البيت ده.
إيميلي سألتها طيب ليه بابا ماكشفش كل ده من زمان؟
مارغريت اتنهدت وقالت جورج كان عنده سبب. كان خايف إن المشروع الخيري يتوقف، وإن الخلافات بين العيلة تدمر الحلم اللي تعب عشانه.
وبعدين مدت إيديها ناحية إيميلي وقالت يوم ولادتك يا إيميلي، جدك كان قرر يخصص جزءًا من البيت ليكي، علشان يكون بداية لمشروع خيري يحمل اسمك. لكن بعد وفاته، إدوارد قدم أوراق بتقول إن التخصيص ده اتلغى.
إيميلي فتحت عينيها وقالت يعني بابا كان بيحاول يرجعلي حقي؟
مارغريت هزت راسها كان بيحاول يرجع حق العيلة كلها.
في اللحظة دي، جيك اللي كان بيلعب بعيد قرب مننا وقال
طب أنا لقيت حاجة كمان في أوضة جدو!
طلع من جيبه ورقة صغيرة عليها رسمة للبيت، وفي نص الرسمة كان فيه سهم بيشاور على القبو.
مارغريت أول ما شافتها قامت من مكانها بسرعة.
مين اداك الرسمة دي؟!
جيك رد كانت جوه الكتاب القديم اللي تيتة فتحته.
مارغريت بصتلي وقالت يبقى جورج كان عارف إننا هنوصل للقبو في النهاية.
نزلنا كلنا السلم المؤدي للقبو، وكان المكان مليان صناديق قديمة وأثاث مغطى
بالأقمشة.
فضلنا ندور لحد ما جيك لاحظ إن فيه جزء من الحيطة لونه مختلف.
مارتن ضغط عليه، فظهر باب صغير مخفي.
استخدمنا المفتاح الفضي، واتفتح الباب.
جواه كان فيه صندوق حديدي كبير.
مارغريت قربت منه وهي بتهمس
أخيرًا... ده هو المكان اللي والد جورج خبّى فيه المستندات الأصلية.
لكن لما فتحنا الصندوق، لقيناه فاضي!
إيميلي صرخت مستحيل! مين وصل قبْلنا؟!
وفجأة، سمعنا صوت تصفيق بطيء جاي من آخر القبو.
لفينا كلنا ناحية الصوت.
كان فيه رجل واقف في الضلمة، وبيبتسم.
خرج خطوة للنور، ولما شفت وشه، حسيت إن قلبي هيقف.
كان إدوارد نفسه!
لكن المفاجأة إنه كان أكبر بكتير مما تخيلت، وماسك في إيده ملف أسود.
قال بهدوء مساء الخير يا سوزان... واضح إنكم أخيرًا وصلتوا للمكان اللي كنتوا بتدوروا عليه.
روبرت وقف قدامي وقال بغضب إنت عملت إيه بالمستندات يا إدوارد؟!
إدوارد ابتسم وقال المستندات في أمان، لكن قبل ما أسلمها، عندي سؤال واحد لسوزان.
بصلي مباشرة وقال
هل جورج حكى لك يومًا عن الاتفاق اللي وقّعه قبل وفاته بأسبوع واحد؟ لأن لو عرفتي محتواه، ممكن تغيري رأيك في كل اللي سمعتيه النهارده!
يتبع...
بصيت لإدوارد وأنا حاسة إن أعصابي خلاص مش مستحملة أسرار أكتر من كده.
قلتله كفاية يا إدوارد! أنا ست عندي 68 سنة، ومن حقي أعرف الحقيقة كاملة. جورج كان جوزي، والعيلة دي عيلتي، ومش هسمح لحد يفضل يلعب بينا أكتر من كده!
إدوارد نزل عينيه، وفتح الملف الأسود اللي في إيده، وطلع منه مستند قديم.
قال قبل وفاة جورج بأسبوع، جه مكتبي وطلب مني أجهز اتفاق جديد. كان عايز يتنازل عن جزء من حقوقه في البيت، بشرط إن المشروع الخيري يتنفذ، وإن إنتِ تكوني المسؤولة عن إدارته.
روبرت اتعصب وقال يعني إنت كنت عارف مكان المستندات طول الوقت؟!
إدوارد رد أيوه، لكن جورج طلب مني ماكشفش عنها غير لما سوزان بنفسها توصل للمكان.
مارغريت بصتله وقالت طب ليه كنت بتحاول تمنعنا؟
إدوارد تنهد وقال لأن فيه ناس كانت عايزة تبيع البيت وتاخد قيمته، وأنا كنت بحاول أحافظ على الاتفاق الأصلي لحد ما تظهر سوزان وتقرر بنفسها.
مارتن أخد المستندات وبدأ يراجعها، وبعد شوية ابتسم وقال
الورق سليم، والحقوق واضحة. المشروع ممكن يبدأ رسميًا بعد استكمال الإجراءات القانونية.
إيميلي جريت حضنتني وهي بتعيط ماما، بابا أخيرًا حقق حلمك!
لكن أنا مكنتش قادرة أفرح بالكامل.
كان كل اللي شاغلني إني أفهم ليه جورج اختار يسيبني وسط كل الأسرار دي.
طلعت رسالة جورج من جيبي، وبدأت أقرأها بصوت مرتعش
سوزان حبيبتي...
أنا عارف إني سبت ورايا أسئلة كتير، وعارف إنك هتزعلي إني مخبي عنك تفاصيل المشروع.
لكن الحقيقة إني فضلت فاكر حلمك طول السنين. فاكر البنت الصغيرة اللي كانت بتحلم تعمل مكان كل طفل فيه يلاقي بيت وأمان وحد يسمعه.
يمكن إحنا كبرنا، ويمكن الأيام أخدت مننا حاجات كتير، لكن الأحلام الحلوة عمرها ما بتكبر.
أنا مش عايزك تفتكريني بالممتلكات ولا بالأوراق. عايزك تفتكريني بالحلم اللي اتمنينا نحققه سوا.
ولو قدرتي تفتحي المكان ده يومًا، خلي أول طفل يدخله يحس إنه مش لوحده في الدنيا.
بحبك يا سوزان... زوجك جورج.
ماقدرتش أكمل من كتر العياط.
بعد شهور من الإجراءات القانونية، رجعت ملكية البيت للمؤسسة العائلية، وبدأنا نجهزه علشان يكون مركزًا لرعاية الأطفال المحتاجين، ومكانًا للتعليم والأنشطة والدعم الأسري.
إيميلي تولت تنظيم المشروع، ودانيال وروبرت ساعدونا في ترميم البيت، ومارغريت بقت تزورنا كل أسبوع.
أما جيك وليلي، فكانوا أكتر اتنين متحمسين للمشروع.
وفي يوم الافتتاح، وقفت قدام لوحة كبيرة مكتوب عليها
بيت جورج وسوزان... هنا لا يبقى طفل وحيدًا.
جيك مسك إيدي وقال تيتة، هو جدو شايفنا دلوقتي؟
ابتسمت وسط دموعي وقلت يمكن مش شايفنا بعنيه يا حبيبي، لكن كل طفل هيفرح هنا هيكون جزء من حلمه.
ليلي جريت ناحية الأطفال وهي بتوزع عليهم الهدايا، وإيميلي وقفت جنبي وقالت
ماما، أنا أخيرًا فهمت ليه بابا اختارنا نكمل الحكاية.
بصيت للبيت، لنفس المكان اللي بدأت فيه قصة حبي مع جورج، وابتسمت.
اكتشفت إن بعض الناس بتمشي من حياتنا، لكنها بتسيب جوانا حاجة أكبر من الغياب... بتسيب أثرًا يكمل بعدهم.
وفي آخر يوم من السنة، وصلني ظرف صغير من مارغريت، جواه صورة جديدة لجورج وهو واقف قدام البيت، وعلى ظهرها مكتوب
بعض الوعود لا تنتهي بالموت... بل تبدأ بعده.
النهاية.