بنت جوزي حكايات زهرة

لمحة نيوز

أحمد كان في عالم تاني، كل اللي شاغل قلبه ابنه اللي بين إيديه.
وصلنا المستشفى، والأطباء أخدوا ياسين بسرعة، وطلبوا مننا نستنى بره.
فضلت ماشية رايحة جاية، وبعيط وبضرب على صدري، وجوزي قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه، ودموعه بتنزل من غير صوت.
بعد وقت طويل، خرج الدكتور.
أحمد قام من مكانه وجري عليه
طمني يا دكتور، ابني عامل إيه؟ بالله عليك قولي إنه كويس!
الدكتور سكت لحظة، وبعدين قال بصوت حزين
البقاء لله... إحنا حاولنا بكل الطرق، لكن للأسف الطفل وصلنا في حالة حرجة جدًا، ومقدرناش ننقذه.
الكلام وقع علينا زي الصاعقة.
أحمد رجع خطوتين لورا، وبعدين سند بإيده على الحيطة وهو مش قادر يقف.
أما أنا فحسيت إن الدنيا اسودت في عيني، وصړخت صړخة هزت المستشفى كلها
لااااا! ابني لأ! ابني ماټ؟!
وقعت على الأرض، وفضلت أخبط على صدري وأصرخ
أنا اللي موّت ابني بإيدي! أنا اللي عملت كده! أنا السبب!
أحمد قرب مني ومسك دراعي بقوة، وقال وهو مش مستوعب
إنتي بتقولي إيه؟! إنتي موّتيه إزاي؟!
بصيتله ودموعي مغرقة وشي، وفضلت أردد
أنا السبب يا أحمد... أنا السبب في كل حاجة... ربنا بيعاقبني... أنا جننت البنت، أنا اللي سممتها، أنا اللي خربت عقلها... أنا اللي خليتها توصل للحالة دي!
أحمد ساب دراعي كأن إيده اتحرقت، وبصلي بذهول
سممتيها؟! إنتي بتقولي إيه؟!
حاولت أتكلم، لكن لساني كان تقيل، وفضلت أعيط وأقول
كنت بديها دوا من غير ما تعرف... كنت عايزة تكرهيها في البيت وتبعد عنك... كنت غيرانة من حبك ليها... كنت عايزة أخليكي ليا أنا وابني وبس!
أحمد صړخ
إنتي مچنونة؟! دي بنتي! دي أمانة أمها اللي ماټت وسابتهالي! إزاي قدرتي تعملي فيها كده؟!
قلتله وأنا مڼهارة
أنا استاهل... والله استاهل... أنا كنت مبسوطة لما خرجنا من المصحة، وكنت فاكرة إني خلصت منها... لكن ربنا وراني نتيجة اللي عملته في نفس الليلة!
أحمد مسك راسه بإيديه، وفضل يردد
بنتي فين؟ بنتي كانت هنا منين؟!
في اللحظة دي افتكرنا إنها كانت في البيت.
اتصل بأهله وطلب منهم
يروحوا يشوفوا البنت، وبعدها طلب من المستشفى يتواصلوا مع الشرطة، لأن اللي حصل مش حاډث عادي.
وبعد ساعات عرفنا الحقيقة اللي زودت وجعنا.
البنت كانت هربت من المصحة، ورجعت البيت، ودخلت من شباك أوضتها، ولما ملقتش أبوها دخلت تدور عليه.
لكن لما دخلت أوضة أخوها الصغير وشافته نايم، افتكرت إنه بيبعد عنها زي ما كل الناس بعدت، وحاولت تشده يلعب معاها، وفي نوبة اضطراب شديدة حصل اللي حصل.
كانت حالتها النفسية متدهورة بشكل خطېر، وكانت مش مدركة عواقب تصرفاتها، وده كله كان نتيجة الأدوية اللي كنت بدسها لها في الأكل والشرب.
ولما الشرطة وصلت البيت، لقوا البنت قاعدة في ركن الصالة، حاضنة لعبة أخوها، وبتعيط وبتقول
هو فين ياسين؟ أنا عايزة أرجعه لماما... هو زعلان مني؟ أنا والله مكنتش عايزة أزعله!
لما أحمد شافها، جري عليها وحضنها، وفضل يبكي ويقول
حقك عليا يا بنتي... حقك عليا إني سبتك لوحدك... أنا كان لازم أحميكي!
البنت بصتله وقالت
بابا، إنت مش هتسيبني هنا تاني؟ أنا مش وحشة يا بابا... أنا مش مچنونة... أنا كنت بتوجع ومحدش مصدقني!
أحمد انهار من العياط، وشالها وفضل يبوس راسها.
أما أنا، فكنت في المستشفى تحت الملاحظة بعد الاڼهيار العصبي اللي حصلي، واتنقلت بعدها للتحقيق.
ولما أحمد بدأ يجمع الخيوط، عرف إن فيه شخص من العاملين في المصحة ساعدني في الحصول على الأدوية، وإن فيه فلوس اتدفعت عشان يتغاضى عن اللي بيحصل للبنت.
التحقيقات كشفت كل حاجة، واتفتح تحقيق في واقعة إعطاء البنت أدوية من غير علمها، والتلاعب بحالتها، وإيداعها المصحة بناءً على معلومات مضللة.
وأحمد أخد بنته لمستشفى متخصص، وبدأت رحلة علاج طويلة تحت إشراف أطباء نفسيين، وكمان الأطباء اكتشفوا آثار الأدوية اللي كانت بتاخدها، وبدأوا يتعاملوا مع تأثيرها بشكل طبي آمن.
كان بيروحلها كل يوم، يقعد جنبها بالساعات، ويحكيلها عن أمها، ويطمنها إنه مش هيسيبها تاني.
وفي يوم، بعد فترة من العلاج، مسكت إيده وقالتله
بابا، هو ياسين هيرجع يلعب معايا تاني؟
أحمد مقدرش يرد.
ضمھا لصدره وفضل يبكي، وهي فهمت من دموعه إن أخوها مش هيرجع.
أما أنا، فكانت حالتي النفسية
بتسوء يوم بعد يوم.
كل ما أغمض عيني أشوف ابني على الأرض، وأسمع صوته وهو ساكت، وأفتكر إني كنت سبب في مۏت الطفل الوحيد اللي كان ممكن يكون سند ليا.
وبقيت أصرخ في نص الليل
ابني ماټ بسببي... أنا قټلت ابني!
وبعد فترة، وبسبب الاڼهيار النفسي الشديد اللي دخلت فيه، احتجت أنا كمان لرعاية نفسية متخصصة، واتنقلت لمكان علاجي تحت إشراف الأطباء، بالتوازي مع الإجراءات القانونية اللي اتاخدت ضدي.
عدت شهور، وأحمد عمره ما سامحني، حتى لما عرف إني بقيت في حالة نفسية صعبة.
وفي آخر مرة شفته فيها، كان واقف بعيد عني، وقال جملة عمري ما هنساها
أنا كنت فاكر إني لما اتجوزت تاني هلاقي لبنتي أم، وإن ابني هيكبر وسط أسرة كاملة... لكن إنتي ډخلتي بيتنا وبدل ما تحبي بنتي، قررتي تكسريها، وبدل ما تحافظي على ابني، كنتي السبب في ضياعه. أنا مش هنسى اللي حصل طول عمري.
ومشي من غير ما يستنى ردي.
ومن يومها وأنا عايشة في ندم ملوش آخر، لا قادرة أنسى ابني، ولا قادرة أنسى عيون بنت جوزي وهي بتستنجد بيا قبل ما نوصلها المصحة.
كنت فاكرة إن البنت دي هي اللي واخدة مني جوزي، لكن الحقيقة إني أنا اللي كنت بسرق منها أبوها وأمانها وحقها في إنها تعيش طفولتها.
وأصعب عقاپ مش كان إني خسړت جوزي وبيتي... أصعب عقاپ إني بقيت كل يوم أصحى على حقيقة واحدة أنا اللي هدمت البيت بإيدي، والندم عمره ما هيقدر يرجّع ابني ولا يمسح الۏجع من قلب بنت مالهاش ذنب.

تم نسخ الرابط