بعد وفاة جوزي

لمحة نيوز

مكاني من الصدمة، وبقيت واقفة عيوني مزغللة ومش فاهمة لحد إنهارده.. ليه جوزي عمل كده؟!
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك ولا حتى أصرخ، وأنا ببص على الحاجة اللي ظهرت قدامي بعد ما شيلنا طبقة التراب الأخيرة.
كانت عبارة عن باب حديد صغير، مدفون تحت الأرض، وعليه قفل قديم، وفوقه بلاطة رخام مكتوب عليها اسمي بخط جوزي!
جميلة عبد القادر.
حسيت إن قلبي هيقف، وبناتي اتلموا حواليا، وبنتي الكبيرة قالتلي وهي مړعوپة
ماما، هو باب إيه ده؟ وإزاي بابا كاتب اسمك عليه؟
قعدت على ركبتي ومسحت التراب بإيدي، وفضلت أبص على اسمي وأنا بعيط. هو كان عارف؟ هو كان مخبي إيه تحت البيت ده؟
جبت مطرقة صغيرة من الأدوات اللي معانا، وفضلت أحاول أكسر القفل، لحد ما اتفتح أخيراً.
رفعت الباب الحديد بصعوبة، واتفاجئت بسلم ضيق نازل لتحت، والضلمة مالية المكان.
بنتي الصغيرة مسكت في هدومي وقالت
ماما بلاش ننزل، أنا خاېفة.
حضنتها وقلت لها
مټخافيش يا حبيبتي، إحنا هنفهم أبوكي كان عايز يقولنا إيه.
نزلت أنا وبنتي الكبيرة، وشغّلنا كشاف الموبايل، ولما وصلنا تحت، لقينا أوضة صغيرة مبنية بالطوب والأسمنت، فيها دولاب حديد، وترابيزة، وكرسي، وعلى الترابيزة صندوق خشب كبير.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الحيطة اللي قدامنا.
كان فيه أربع صور لبناتي، كل صورة متعلقة لوحدها، وتحت كل صورة اسم بنتي وتاريخ ميلادها!
فضلت أبص للصور وأنا مش فاهمة.
ليه عبد القادر عامل مكان زي ده؟ وليه حاطط صور بناته هنا؟
فتحت الصندوق الخشب، ولقيت جواه أربع ملفات، وكل ملف مكتوب عليه اسم واحدة من بناتي.
فتحت أول ملف، لقيت شهادة ميلاد بنتي الكبيرة، وصورة من
أوراق دراستها، وشهادة إيداع بنكي باسمها.
فتحت التاني والتالت والرابع، وكل واحدة ليها ملف وحساب بنكي خاص بيها!
لكن اللي خلاني أعيط من قلبي، إني لقيت جواب متغلف باسمي، ومكتوب عليه بخط عبد القادر
إلى جميلة، مراتي وأم بناتي، لو وصلتي للجواب ده، يبقى أنا مشيت من الدنيا، وأمي نفذت اللي كانت عايزاه، وضرتك طردتك من البيت.
سامحيني يا جميلة، أنا عارف إني كسرت قلبك يوم ما وافقت على كلام أمي، وعارف إنك افتكرتيني ظلمت بناتي وضيعت حقهم، بس الحقيقة إني كنت بحاول أحميهم من ناس أقرب لهم من الغريب.
وقفت عن القراءة، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
بنتي الكبيرة قالتلي
كملي يا ماما، بابا كان عايز يقولك إيه؟
رجعت أكمل
أنا عشت طول عمري شايف أمي بتتحكم في كل حاجة، ولما اتجوزت تاني، اكتشفت إن مراتي التانية داخلة الجوازة عشان الفلوس والأرض، وسمعتها أكتر من مرة بتتكلم مع أمي عن نصيب الولاد.
كنت عارف إن مرضي مش هيديني فرصة أواجههم، وعشان كده عملت كل حاجة بالشكل اللي هما عايزينه قدامهم.
البيت الكبير والأرض والفلوس اللي اتكتبت باسم الولاد، دول مش كل اللي كنت بملكه.
أنا اشتريت البيت القديم من سنين، وسجلته باسمك، وخبيت فيه مستقبل بناتي.
كل حساب من الحسابات اللي قدامك فيه مبلغ يكفي صاحبة الحساب تكمل تعليمها وتبدأ حياتها من غير ما تمد إيدها لحد.
لكن فيه حاجة أهم من الفلوس...
هنا إيدي بدأت تترعش، وقلبت الورقة لقيت باقي الكلام
تحت الملفات هتلاقي ظرف بني، جواه عقد ملكية قطعة أرض كبيرة على الطريق الرئيسي، كنت اشتريتها من أكتر من عشرين سنة، وسجلتها باسمك، ومعاها مستندات تثبت إن البيت القديم والأرض اللي حواليه ملكك إنتي.
أنا كنت عارف إن أمي عمرها ما هتسيبك في حالك لو عرفت إنك معاكي حاجة، وعشان كده خليت المحامي يحتفظ بنسخة من الأوراق، وخبيت النسخة الأصلية هنا.
يا جميلة، أنا عارف إنك مش هتفهمي ليه عملت كده غير لما تعرفي إن البيت ده مش خړابة زي ما هما فاكرين. الأرض دي بقت في منطقة عمرانية، وقيمتها بقت أكبر من كل اللي سبتُه للولاد.
بس متبيعيش حاجة قبل ما تستشيري محامي، وخلي بالك من بناتك، ومتخليش حد ياخد حقهم منك.
حطيت الجواب على صدري وانهرت في العياط.
عبد القادر مكنش ناسي بناته... ده كان مخطط لكل حاجة من سنين!
بنتي الكبيرة حضنتني وقالت
يعني بابا كان بيحبنا يا ماما؟ هو مكنش عايز يسيبنا؟
بصتلها وقلت
أبوكي كان بيحبكم أكتر ما تتخيلوا يا بنتي، بس كان ضعيف قدام أمه، ولما حس إن عمره قرب، حاول يصلح اللي قدر عليه.
طلعنا من المكان، وخدت الملفات والجواب، وقفلت الباب الحديد تاني.
لكن وأنا طالعة، عيني وقعت على حاجة صغيرة مكتوبة على ظهر الباب من جوه.
كانت جملة قصيرة
لو أمك سألتكم عني، قولولها إني كنت عارف إنها هتسامحني.
وقتها بكيت أكتر، لأني افتكرت آخر مرة مسك إيدي وقاللي مسمحاني؟
تاني يوم الصبح، رحت للمحامي اللي اسمه مكتوب في الجواب.
أول ما شافني، سكت شوية وبعدين قال
كنت مستنيكي يا مدام جميلة.
بصيتله باستغراب وقلت
يعني حضرتك كنت عارف كل حاجة؟
قال
عبد القادر كلمني قبل ۏفاته بشهور، وساب عندي نسخة من عقود الملكية، وطلب مني أول ما تيجي أساعدك في إثبات حقك.
طلع ملف كبير، وبدأ يراجع معايا الأوراق، وأكدلي إن الأرض والبيت مسجلين باسمي، وإن الحسابات البنكية باسم البنات بالفعل.
سألته وأنا مش مصدقة
طب ليه جوزي معملش كده قدام أمه؟ ليه خلاني أعيش كل القهر ده؟
تنهد وقال
هو
كان خاېف إنهم يعرفوا، ولو عرفوا بوجود الممتلكات دي، كانوا هيضغطوا عليه يغير كل حاجة، خصوصاً إن والدته كانت بتدخل في كل تفاصيل حياته.
رجعت البيت القديم وأنا حاسة لأول مرة من
تم نسخ الرابط