تحويشة عمري نور محمد
علبة البسكوت الصفيح القديمة كانت في حضني، بحط فيها آخر رزمة فلوس وأنا إيدي بتترعش من الفرحة.. خمس سنين، خمس سنين وأنا بستخسر في نفسي اللقمة وبداري هدومي المقطعة عشان أجمعله تمن التاكسي اللي كان بيحلم بيه.
اسمي ياسمين.. عشت مع طارق على الحلوة والمرة، أو بمعنى أصح، على المرة بس. كان شغال باليومية على عربية نقل، بيرجع هلكان ومكسور الخاطر. كنت بسهر طول الليل أخيط للناس في السر، وأقتطع من مصاريف البيت القليلة، عشان أشوف لمعة عينه في اليوم اللي هقوله فيه بقى عندك مشروعك يا حبيبي.
اليوم ده، كنت قاعدة على طرف السرير، فارشة الفلوس قدامي بدموع الفرحة، مستنية أسمع خبطته على الباب.
وفعلاً، سمعت صوت المفتاح بيلف في الكالون.. بس طارق مكنش لوحده، كان بيكلم مامته في التليفون، وصوته كان عالي ومخنوق بالغضب.
بقولك اتأكدت يا أمي.. الفلوس اللي كانت بتختفي من جيبي هي اللي بتاخدها.. أنا متجوز حرامية!
الكلمة نزلت على ودني زي الرصاصة.
قلبي وقف، والفلوس وقعت من إيدي على السرير.
كمل كلامه وهو بيقرب من طرقة الأوضة، صوته كان بيقطع في لحمي دي بتستغفلني بقالها سنين.. فاكراني عبيط! بس وحياة تعبي وشقايا لأكسر لها إيدها وارميها في الشارع بفضيحة النهاردة.
حسيت إن الأكسجين اتسحب من الأوضة. أنا؟ حرامية؟ أنا اللي بعت دهبي وشقيت وتعبت عشان أعمله راجل قدام الدنيا كلها، أكون في نظره حرامية؟!
حاولت أقوم، ألملم الفلوس، أصرخ، أعمل أي حاجة.. بس جسمي كان متخشب.
الباب اتخبط برجله واتفتح بعنف.. دخل طارق وعينه بتطق شرار، رافع إيده عشان يضربني، بس إيده اتجمدت في الهوا..
وقف مكانه مذهول، عينه مبرقة وهو شايفني قاعدة بدموعي، وجنبي تلال الفلوس المتستفة، وفوقيهم ورقة مكتوب عليها بخط إيدي المرتعش عربون التاكسي.. مبروك يا حبيب عمري.
التليفون وقع من إيده، وصوت أمه لسه بينادي من السماعة..
الصمت نزل على الأوضة كأنه حجر تقيل كتم أنفاسنا إحنا الاتنين. الصوت الوحيد اللي كان طالع هو صوت حماتي من السماعة المرمية على الأرض، بتزعق وتقول يا طارق؟ طارق رديت عليها؟ مسكت الفلوس معاها ولا لسه بتمثل؟
عين طارق كانت بتتنقل بيني، وبين الفلوس المتستفة، وبين الورقة اللي مكتوب عليها عربون التاكسي. ملامح الغضب اللي كانت مالية وشه من ثانية واحدة اتبدلت لصدمة، وبعدها رعب، وبعدها انكسار ملوش وصف.
ركبه مشالتهوش.. وقع على الأرض قدامي وهو بيبص للفلوس كأنها عقارب بتلدغه. مد إيده المرتعشة ولمس الورقة، قراها مرة واتنين وتلاتة، كأنه بيحاول يقنع نفسه إن عينيه بتكدب عليه.
ياسمين... نطقها بصوت مهزوز، طالع بالعافية من حنجرته إيه ده؟ الفلوس دي... إنتي؟
فضلت قاعدة مكاني، دموعي اللي كانت بتنزل من الفرحة من دقايق، بقت بتنزل نار بتحرق في وشي. بصيت له بكسرة عين عمري ما حسيتها في حياتي، وقلتله بصوت واطي بس كان بيدبح
خمس سنين يا طارق... خمس سنين بسهر أخيط للناس والوجع بياكل في عيني عشان ألملك الجنيه على الجنيه. كنت بستخسر في نفسي حتة اللحمة عشان أحطهالك في طبقك وأقولك كل يا حبيبي عشان شقاك. كنت بلم الفكة اللي بتسيبها عشان أكمل بيها جمعية، وأحرم نفسي من لبس العيد عشان أشوفك راكب عربيتك ومش شغال عند حد... وفي الآخر، أبقى حرامية؟
طارق حط إيده على وشه وبدأ يبكي.. راجل بطوله وعرضه كان بيعيط زي العيل الصغير، زحف على ركبه لحد ما مسك في طرف جلابيتي وهو بيقول حقك عليا.. غبي.. أنا غبي أعمى مستاهلش ضفرك.. وحياة أغلى حاجة عندك تسامحيني.. أمي هي اللي ملت دماغي وقالتلي إن الفلوس اللي بتنقص مني إنتي بتسرقيها.. أنا مكنتش في وعيي!
سحبت طرف جلابيتي من إيده ببطء. الكسرة اللي في قلبي مكنتش هتتصلح بكلمتين. أنا مش زعلانة إنه اتهمني وبس، أنا زعلانة إنه كان داخل يضربني ويفضحني ويرميني في الشارع.. هو ده الأمان اللي عشت عشانه؟
وقفت على حيلي، وبدأت ألم الفلوس رزمة رزمة وأحطهم في الشنطة بتاعتي بهدوء قاتل.
طارق كان بيبصلي برعب بتعملي إيه يا ياسمين؟ الفلوس دي بتاعتك، اعملي فيها اللي إنتي عاوزاه، ولعي فيها حتى.. بس متسيبينيش.
قفلت الشنطة وحطيتها على كتفي، وبصيتله بجمود الفلوس دي مبقتش تلزمني.. ولا أنت كمان.
ولسه بلف عشان أخرج من الأوضة، باب الشقة اتخبط بعنف.. خبط متواصل ومجنون.
حماتي كانت ساكنة في الدور اللي تحتنا، وواضح إنها لما مسمعتش رد من طارق طلعت جري عشان تلحق الفضيحة وتتفرج عليا وأنا بنطرد.
فتحت باب الأوضة وخرجت للصالة، وطارق ورايا بيترجاني مأفتحش. بس أنا فتحت الباب.
دخلت حماتي وعينيها بتطق شرار، وأول ما شافتني معاها الشنطة صرخت
أهو! مسكتها متلبسة وبتلم الفلوس في شنطتها عشان تهرب بيها يا خايب! امسكها يا طارق اطلب البوليس!
بصيت لطارق.. مستنياه ينطق، مستنياه يدافع عني ويقولها الحقيقة، يمسح ولو جزء بسيط من العار اللي لبسهولي.
طارق بص لشنطة الفلوس في إيدي.. وبص لأمه اللي بتزعق وتلم الجيران على السلم.. وبعدين بصلي.
وفي لحظة، عيونه اتبدلت.. الضعف والندم اللي كانوا فيها اختفوا، وظهرت نظرة تانية خالص، نظرة خلت الدم يهرب من عروقي.
قرب مني، وشد الشنطة من إيدي بعنف، وبص لأمه وقالها بصوت عالي سمعه كل الجيران
عندك حق يا أمي.. أنا فعلاً مسكتها بتسرقني.. والفلوس أهي!
الصدمة لجمتني.. مش قادرة أنطق.. بس قبل ما حماتي تزغرد من الفرحة في فضيحتي، طلعت من جيبي ورقة صغيرة مطوية، ورميتها في وش طارق، وقلتله بابتسامة مرعبة والدموع مالية عيني
اقرا الورقة دي يا طارق.. عشان تعرف إن الفلوس اللي في الشنطة دي، تمنها أغلى من حياتك إنت وأمك!
طارق فتح الورقة.. وعينيه برقت بصدمة، ووشه جاب ألوان، وفجأة صرخ بأعلى صوته ووقع على الأرض كأن في سكينة انغرزت في قلبه...
الكاتبه_نور_محمد
للباقي شوف اخر جزء من القصه
الورقة اللي طارق فتحها مكنتش مجرد ورقة عادية.. دي كانت وصل أمانة عليه توقيع وبصمة، ومختوم بختم المحكمة، ومعاه مخالصة نهائية بالتسديد.
طارق بص للورقة، وعينيه جحظت كأن روحه بتتسحب منه. الحروف كانت بترقص قدام عينيه، وبصوت