جوزي جابني حكاية زهرة الجزء الثاني
قاعدة على الكنبة، عينيها غرقانة دموع، وشعرها مش مترتب، ومش بتاكل غير بالعافية.
جوزها كان رجع بيته بعد ما حصلت بينهم مشاكل كبيرة، وهي كمان راحت تقعد عند أهلها، خصوصًا بعد ما بقى كل واحد فيهم بيلوم التاني على اللي حصل.
وفي مرة دخلت عليها لقيتها ماسكة صورة عمر وليلى وبتبوسها وبتقول وحشتوني يا حبايبي... أنا آسفة إني سبتكم. والله ما كنت أعرف إن غيابي هيبقى بالشكل ده.
الجملة دي خلتني أسكت.
لأول مرة أشوفها مش بتتكلم عن السفر ولا عن جوزها ولا عن نفسها.
كانت أم مکسورة، وبتتمنى تسمع صوت ولادها حتى لو لدقيقة واحدة.
رجعت البيت يومها وأنا مش قادرة أبص في وش ابني.
كنت كل ما أفتكر ليلى وهي بتسألني إذا كانت عملت حاجة غلط، أحس إن قلبي بيتقطع.
لكن كنت أقول لنفسي لسه شوية... لازم هدى تحس باللي أنا حسيته.
لحد ما جه اليوم اللي روحت فيه المخزن، ولقيت ليلى سخنة ووشها أحمر، وعمر قاعد جنبها بيحاول يطمنها.
أول ما شافني قال طنط، أختي تعبانة، ممكن نروح لماما؟ هي كانت بتعرف تعملها كمادات لما بتسخن.
قربت منها وحطيت إيدي على جبينها، ولقيتها فعلًا سخنة.
ساعتها حسيت إني وصلت لآخر الطريق.
أنا كنت عايزة أوجع أمهم، لكن الأطفال دول مالهمش ذنب في أي حاجة.
قعدت جنبها لحد ما هديت شوية، واديتهم الأكل، وبعدها خرجت وأنا
واخدة قراري.
تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما اتأكدت إن الشارع فاضي، وروحت للمخزن، وفتحت الباب.
قلت لهم يلا يا حبايبي، هنروح مكان حلو.
عمر جري عليا وسألني بلهفة هنروح لماما؟
هزيت راسي وقلت أيوه يا حبيبي.
فرحوا، وليلى حضنتني وقالت أنا بحبك يا طنط، بس أنا عايزة ماما.
الكلمة دي كانت كفاية إنها تكسر آخر حاجة جوايا.
وصلتهم لحد شارع بيتهم، وخليتهم يكملوا لحد الباب، وبعدها مشيت بسرعة من غير ما أبص ورايا.
بعد دقائق سمعت صړيخ هدى من بعيد.
كانت فتحت الباب وشافت ولادها واقفين قدامها.
جريت عليهم ووقعت على ركبتها وحضنتهم، وفضلت تبوس فيهم وټعيط وتصرخ ولادي! ولادي رجعوا! يا رب لك الحمد! يا رب لك الحمد!
عمر كان بيعيط في حضنها، وليلى ماسكة في رقبتها ومش راضية تسيبها.
محمود جه على الصوت، وأول ما شافهم وقف مكانه مصډوم، وبعدها جري وحضنهم.
البيت كله اتقلب فرحة، واتصلوا بأهلهم، والكل فضل يسألهم كانوا فين وإزاي رجعوا.
لكن العيال مكنوش فاكرين غير إنهم كانوا في مكان مقفول، وإن ست كانت بتيجي لهم كل يوم بالأكل، وكانت لابسة حاجة مخبية وشها.
الشرطة سألتهم، لكنهم مقدروش يحددوا أي حاجة توصل للي حصل.
أما أنا، فكنت في بيتي، سامعة صوت محمود وهو بيتكلم في التليفون وبيعيط من الفرحة، وفضلت قاعدة ساكتة.
هدى رجعت بيتها، وجوزها صالحها، ومحمود بقى كل يوم يطمن على ولاد أخته.
ومن يومها هدى مبقتش تسيب عيالها لحظة، ولا تسافر من غير ما تتأكد إنهم في أمان ومع شخص مسؤول، ومحمود كمان اتغير وبقى يحسب تعبه وتعب غيره قبل ما يفرض على حد مسؤولية مش مسؤوليته.
أما أنا، ففضلت شايلة سر اللي حصل جوايا.
لحد النهارده محمود وهدى ميعرفوش العيال كانوا فين طول الأسبوعين دول، ولا مين اللي كان بيدخل لهم الأكل.
وهدى عمرها ما عرفت إن مرات أخوها كانت هي الست اللي بتروح لها كل يوم تواسيها، وتسمع عياطها، وترجع بعدها تطمن على ولادها في المخزن.
أنا عارفة إن اللي عملته كان غلط، وإن الأطفال ملهمش ذنب في خلافات الكبار، وإن الخۏف اللي عاشوه مش حاجة سهلة تتنسي.
لكن وقتها كنت شايفة إني باخد حقي من اتنين استهانوا بتعبي وۏجعي، ونسوا إني إنسانة ولسه خارجة من ولادة.
يمكن أخدت حقي بالطريقة الغلط، ويمكن الۏجع اللي سببته للأطفال أكبر من أي ۏجع حسيت بيه.
بس من يومها اتعلمت إن محدش من حقه يفرض عليا مسؤولية أنا مش قادرة عليها، وإن كلمة لأ ساعات بتكون أرحم من موافقة الواحد يندم عليها طول عمره.
والمشكلة إن هدى لحد النهارده كل ما تشوفني تقول لي ربنا يخليكي يا حنان، إنتِ كنتِ واقفة جنبي في أصعب أيام حياتي!
وأنا ببصلها وأسكت... لأنها لو عرفت الحقيقة، مش عارفة هتسامحني ولا لأ.
تمت.