عروس جديده
عليا كأني بطلب صدقة.
لكن المرة دي، المطبخ كان مليان خير.
مش عشان بقيت مالكة بيت ومصنع، لكن عشان بقيت عارفة إن محدش له حق يذلني عشان لقمة عيش.
وبعد سنة كاملة، في ذكرى ۏفاة محمود، عملت عزومة كبيرة لعمال المصنع وأسرهم، وطلبت من حنين وبناتها ييجوا.
كانت البنات كبروا شوية، وبقوا بيضحكوا ويلعبوا في الجنينة.
حنين قربت مني وقالت محمود لو كان شايف اللي عملتيه لبناته، كان هيكون مبسوط أوي.
قلت أنا ما عملتش غير اللي هو طلبه.
قالت إنتِ عملتي أكتر من كده. إنتِ رجعتي لينا إحساس الأمان بعد ما كنا فاكرين إن الدنيا كلها ضدنا.
ابتسمت.
وفي وسط العزومة، واحدة من بنات محمود جت جري عليا، ومسكت إيدي وقالت طنط مريم، هو بابا كان بيحبك؟
اتلخبطت من السؤال، ونزلت لمستواها.
قلت أيوه يا حبيبتي، كان بيحب الخير لكل الناس.
قالت ماما بتقول إنك بتساعدينا عشان بابا وصاكي علينا.
وقلت أنا بساعدكم عشان أنتم تستاهلوا كل خير، وعشان أبوكم كان راجل طيب وعايز يشوفكم مبسوطين.
البنت بصت لي وقالت طب ينفع أناديكي ماما مريم؟
قلبي اتقبض من الحنية.
بصيت لحنين، لقيتها بتبتسم ودموعها في عينيها.
قلت للبنت طبعاً يا حبيبتي، تناديني بالاسم اللي يريح قلبك.
وفي آخر اليوم، وأنا واقفة قدام صورة محمود اللي حطيتها في مكتبه القديم، حسيت إني أخيراً فهمت هو ليه اختارني.
هو ما كانش بيديني بيت ولا مصنع.
هو كان بيديني فرصة أحافظ على ناس مالهمش ذنب في أي حاجة حصلت.
وفجأة، سمعت صوت مرتضى من ورايا.
كان واقف عند باب المكتب، وشكله مرهق.
قال ممكن أتكلم معاكي؟
بصيت له وقلت اتفضل.
دخل وقعد، وبص للصورة وقال أخويا كان دايماً شايفك أحسن مني.
ما رديتش.
كمل أنا خسړت حاجات كتير بسبب غروري.
قلت أنت خسړت ثقة الناس، ودي أصعب حاجة ترجع.
قال أنا مش جاي أطلب منك فلوس ولا أرجع البيت. أنا بس عايز أقولك إني ظلمتك.
بصيت له وقلت كنت أتمنى أسمع الكلام ده من زمان، وقت ما كنت واقفة في المطبخ ومش لاقية آكل.
نزل عينه.
قال أنا عارف.
قلت عارف إيه يا مرتضى؟ عارف إنك كنت بتوجعني؟ ولا عارف إنك كنت بتسيبني جعانة؟ ولا عارف إنك كنت بتستخدم خوفى من أهلي عشان تخليني أعمل اللي إنت عايزه؟
ما ردش.
كملت أنا مش هنتقم منك، ومش همنعك من إنك تبدأ من جديد. بس أنا كمان هبدأ من جديد، بعيد عن كل حاجة وجعتني.
قام من مكانه، وبص للصورة مرة أخيرة.
قال ربنا يرحمك يا محمود. أنت كنت شايف اللي إحنا مش شايفينه.
وخرج.
فضلت واقفة مكاني، وبعدها قفلت درج المكتب وحطيت المفتاح في مكانه.
وبعد كام يوم، وصلني جواب من المحامي، كان فيه آخر ورقة كتبها محمود قبل ۏفاته، وما كناش لقيناها في أي ملف قبل كده.
فتحتها، وبدأت أقرأ
إلى مريم...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى غالباً وصلتي للمكان اللي كنت أتمنى توصلي له.
أنا عارف إنك اتظلمتي، وعارف إنك هتسمعي كلام كتير، ويمكن ناس تتهمك بالطمع لمجرد إنك تمسكي حقك.
بس عايزك تعرفي إن الحق مش عيب، وإن الطيبة مش معناها إن الإنسان يسمح للناس تدوس عليه.
أنا ما اخترتكيش عشان تكوني أقوى من مرتضى، ولا عشان تنتصري عليه.
أنا اخترتك عشان تكوني أرحم من كل اللي حوالينا.
خلي المصنع مصدر رزق للناس، وخلي البيت مكان أمان، وما تسمحيش للخلافات إنها تحولك لإنسانة قاسېة.
وأهم حاجة، ما تنسيش نفسك وسط مسؤولياتك.
إنتِ كمان ليكي حق تفرحي وتعيشي وتتحبي.
خلصت الرسالة، وفضلت ماسكاها ودموعي بتنزل.
أول مرة أحس إن حد افتكرني أنا كمان.
مش بس حقوق العمال، ولا مستقبل البنات، ولا مشاكل العيلة.
افتكر إن مريم نفسها إنسانة، وإن ليها قلب بيتوجع، وإن ليها حياة تستحق تعيشها.
بعدها بشهور، بدأت أفتح لنفسي مشروع صغير بعيد عن المصنع، مكان كنت بحلم أعمله من زمان، لتجهيز ملابس الأطفال ومستلزماتهم بأسعار مناسبة للأسر البسيطة.
وسميته بيت محمود، وخصصت جزء من أرباحه لمساعدة الأمهات اللي ظروفهم صعبة.
وفي يوم الافتتاح، كانت سارة جنبي، وحنين وبناتها موجودين، وحتى حماتي حضرت.
وقفت قدام المكان وأنا مش مصدقة إن البنت اللي كانت بتشرب شاي بسكر وتنام من الجوع، بقت بتفتح مشروع باسم راجل كان شايف فيها الخير.
سارة همست في ودني فاكرة لما قولتلك ما تسيبيش لهم الخزين؟
ضحكت وقلت فاكرة يا ستي، ده إنتِ كنتِ السبب في إننا ننقل شوال السكر عند سکينة!
ضحكنا من قلبنا.
وبعد الافتتاح، لقيت حماتي واقفة قدامي، ماسكة إيدي وبتقول أنا نفسي أطلب منك طلب.
قلت اتفضلي.
قالت سامحيني على الأيام اللي كنتِ بتنامي فيها جعانة وأنا عندي أكل كتير.
بصيت لها، وقلت ربنا يسامحنا كلنا يا طنط.
قالت أنا عمري ما هنسى اليوم اللي شفتك فيه بتطلعي مرتضى من البيت بالعقد. كنت فاكرة إنك هتنتقمي مننا، لكن إنتِ طلعتِ أرحم مننا كلنا.
ابتسمت وقلت أنا مش عايزة حد ينام جعان، حتى لو كان زعلني.
وبعد ما الناس مشيت، رجعت البيت، ووقفت في المطبخ.
فتحت التلاجة، لقيتها مليانة أكل، وابتسمت.
مش عشان الأكل كتير، لكن عشان افتكرت نفسي زمان، وأنا واقفة قدام التلاجة الفاضية، ومش قادرة أطلب رغيف زيادة.
وقتها عرفت إن أكبر انتصار ليا مش إني بقيت صاحبة البيت والمصنع.
أكبر انتصار إني ما بقيتش الست اللي پتخاف تطلب حقها.
وبعد فترة، مرتضى بعت لي رسالة بيقول فيها إنه عايز يطلقني بشكل رسمي، وإنه مش عايز يفضل معلقني.
وافقت، وتم الطلاق بهدوء ومن خلال الإجراءات القانونية.
ما حسيتش بالشماتة، ولا حتى بالفرحة الكبيرة اللي كنت متخيلاها.
حسيت براحة.
راحة إن صفحة كاملة اتقفلت، وإن مفيش حد هيصحيني تاني من النوم عشان يزعق لي، ولا حد هيحسب عليا لقمة، ولا حد هيقولي إن ماليش ضهر.
وفي يوم الطلاق، قابلت حنين بالصدفة.
كانت ماشية
مع بناتها، ولما شافتني جت وسلمت عليا.
قالت عرفت إنك خلصتي إجراءات الطلاق.
قلت أيوه.
قالت ربنا يعوضك خير.
ابتسمت وقلت ويعوضك إنتِ كمان.
بعدين مدت لي بنت محمود الصغيرة رسمة رسمتها في المدرسة.
فتحتها، لقيت رسمة لبيت كبير، قدامه شجرة، وتحتها أنا وحنين والبنات وسارة.
وفوق الرسمة مكتوب بخط طفولي
عيلتنا اللي بتحب بعض.
ضحكت، ودموعي نزلت في نفس الوقت.
وقلت رسمة جميلة أوي يا حبيبتي.
قالت ماما قالتلي إنك كنتِ طيبة مع بابا، وإنك بتساعدينا عشان هو كان بيحبنا.
بصيت لحنين، وابتسمت.
وساعتها حسيت إن محمود ما سابليش مجرد بيت ومصنع.
سابلي ذكرى إنسانية عمرها ما هتخلص.
ويمكن أكتر حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل إن اللي بيستسهل يكسر خاطر إنسان ضعيف، ما يعرفش إن ربنا قادر يبدل حاله في لحظة.
وإن الست اللي اتعاملوا معاها على إنها ملهاش ضهر، ممكن تكون هي نفسها صاحبة القرار في يوم من الأيام.
وإن الرغيف اللي كانوا بيحسبوه عليا، بقى النهاردة فيه منه خير لبيوت كتير.
أما مرتضى، فاختار طريقه، وأنا اخترت طريقي.
وآخر حاجة عملتها قبل ما أنام الليلة دي، إني فتحت درج مكتبي، وطلعت رسالة محمود، وقريتها للمرة الأخيرة.
إنتِ كمان ليكي حق تفرحي وتعيشي وتتحبي.
ابتسمت، وطفيت النور، وأنا لأول مرة من سنين بنام من غير خوف من بكرة.
لأن مريم اللي كانت بتنام جعانة عشان محدش يحسب عليها لقمة، بقت ست عارفة قيمة نفسها، وعارفة إن كرامتها عمرها ما كانت للبيع... حتى لو المقابل بيت ومصنع وعيلة كاملة.