القصة كاملة بقلم محمد عبده
كنت خايفة خايفة تكرههم أو ترفضهم.
أغلق عينيه بقوة.
كلمات الماضي بدأت تضربه كالسكاكين.
كل مرة قال فيها مش عايز عيال كل مرة اختار شغله على حساب حياته.
فتح عينيه ببطء
فقررتي تحرميني منهم؟!
صرخت وهي تبكي
كنت بحميهم!
سكتت للحظة ثم أضافت بصوت مكسور
وكنت بحمي نفسي من إني أشوفك بتبعد عنهم.
نظر حوله إلى المخبز الصغير إلى العملات القليلة في يدها إلى ملابس الطفلين البسيطة.
ثم قال بصوت منخفض
وعايشة كده ليه؟ ليه ما طلبتيش مني مساعدة؟
ابتسمت ابتسامة حزينة
علشان ما كنتش عايزة حاجة منك غير إنك تفضل ذكرى كويسة.
تجمّد للحظة.
لكن شيئًا داخله بدأ يتغيّر.
نظر إلى الطفلين مرة أخرى
ثم انحنى قليلًا، وأصبح في مستواهما.
اسمك إيه؟
قال الأول بخجل
ياسين.
وقال الآخر
يونس.
ابتسم رغم كل شيء
أنا
توقف.
الكلمة علقت في حلقه.
هل يقولها؟
هل يملك الحق؟
لكن قبل أن ينطق
شدّ يونس الدفتر من يده، وفتحه على صفحة مليئة بالرسومات.
قال بحماس
بص ده أنا، وده أخويا وده بابا.
تجمّد رامي.
نظر إلى الرسم.
رجل طويل واقف بينهم ماسك إيديهم.
نفس ملامحه تقريبًا.
همس بصوت مكسور
إنت راسمني؟
هزّ الطفل رأسه بابتسامة
أيوه ماما قالت إن بابا مسافر بعيد بس أنا متأكد إنه هيرجع.
في تلك اللحظة
انكسر شيء داخل رامي.
وأدرك أخيرًا
أنه لم يخسر مجرد زواج.
بل خسر عائلة كاملة
دون أن يعلم حتى بوجودها.
لكن ما لم يكن مستعدًا له
هو ما كانت ليلى على وشك قوله بعد ذلك.
سر
أخطر من كل ما سبق.
سر
سيجعل الماضي كله يبدو بسيطًا مقارنة بما هو قادم.
الحقيقة الأخيرة التي لم يتوقعها أحد
مسحت ليلى دموعها ببطء لكنها هذه المرة لم تنظر إلى رامي بنفس الضعف.
كان في عينيها قرار.
قالت بصوت هادئ لكنه حاسم
في حاجة لازم تعرفها وكان لازم تعرفها من زمان.
تصلّب جسد رامي
إيه تاني؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجت ورقة قديمة من حقيبتها مختلفة عن باقي الأوراق.
لم تكن ورقة مدرسية.
كانت رسمية مختومة.
مدّتها نحوه
دي كانت السبب في كل حاجة.
أخذها رامي بيد مرتعشة وبدأ يقرأ.
ومع كل سطر
كان وجهه يتغير.
عقد وصية
باسم والده الراحل.
لكن ما كُتب داخلها لم يكن عاديًا.
يُشترط لتحويل كامل الثروة إلى الوريث رامي الكيلاني أن يكون لديه وريث شرعي مباشر
توقّف.
أعاد قراءة السطر مرة أخرى.
ثم رفع عينيه بصدمة لا توصف
يعني
قالت ليلى بصوت منخفض
يعني وقت ما سبنا بعض كنت عارفة إنك لو عرفت إني حامل حياتك كلها هتتغير.
اقترب خطوة
وإنتي خبيتي ده علشان الفلوس؟!
هزّت رأسها بسرعة
لا! علشانك
صمتت لحظة ثم أكملت
أبوك كان مسيطر عليك حتى بعد موته كان محدد مستقبلك كله. كنت خايفة تختارنا علشان الشرط مش علشاننا.
سكت رامي.
لم يجد ما يقوله.
كل شيء بدأ يتضح فجأة
كل القطع اتجمعت في مكانها.
لم تكن مجرد خيانة للثقة
بل كانت محاولة لإنقاذه بطريقتها.
نظر إلى الطفلين
ثم إلى الورقة
ثم إلى ليلى.
وقال بهدوء عكس العاصفة بداخله
يعني أنا كنت عايش نص حياة من غير ما أعرف.
اقترب أكثر
ثم ركع أمام الطفلين.
هذه المرة، لم يتردد.
ابتسم لهم ابتسامة مليئة بالألم والحنين
أنا باباكم.
نظر ياسين ويونس إلى بعضهما
ثم إليه.
لحظة صمت صغيرة
قبل أن يركض يونس نحوه فجأة ويحضنه بقوة
أنا كنت عارف!
تجمّد رامي
ثم ضمّه إليه، وكأنه يعوض سنوات كاملة في ثانية واحدة.
أما ياسين فاقترب ببطء، ثم أمسك يده بصمت.
رفع رامي عينيه نحو ليلى.
لم تكن تبتسم
لكن الدموع في عينيها كانت مختلفة هذه المرة.
ليست دموع ضعف
بل دموع نهاية حرب طويلة.
قال لها بصوت منخفض
اللي فات عمره ما هيرجع.
هزّت رأسها
أنا عارفة.
أكمل
بس اللي جاي بإيدينا.
نظر إلى الطفلين
ثم قال بحزم
وأنا مش هضيعهم تاني.
في تلك اللحظة
لم تكن الأموال
ولا الشركات
ولا وصية الأب
هي أهم ما في حياته.
بل كان طفلان صغيران
ينظران إليه وكأنه العالم كله.
وأخيرًا
فهم رامي الكيلاني معنى أن يملك كل شيء.
تمت
حكايات محمد عبده