القصة كاملة بقلم محمد عبده

لمحة نيوز

من خمس سنوات، رحلتُ مقتنعًا أنني لا أريد أطفالًا أبدًا
لكنني وجدتها لاحقًا تجلس تعدّ بعض النقود بجوار طفلين صغيرين يشبهانني تمامًا
وكان مستند مدرسي واحد كفيلًا بأن يغيّر حياتي للأبد.
اليوم الذي رآها فيه تعدّ النقود
كان رامي الكيلاني قد قضى معظم سنوات شبابه يبني إمبراطوريته الخاصة.
في القاهرة، كان اسمه يُعرف قبل أن يُرى وجهه.
شركته كانت تشتري المباني القديمة، تحولها إلى أبراج زجاجية حديثة، وتبيعها للمستثمرين قبل أن يجف الطلاء.
كان يملك مصاعد خاصة، ومطاعم تفتح له أبوابها بعد ساعات الإغلاق، ومساعدين ينظمون يومه قبل أن يطلب منهم ذلك.
بالنسبة للجميع، كان رامي الرجل الذي يملك كل شيء.
لكن في عصر يوم جمعة دافئ في الإسكندرية، دخل مخبزًا صغيرًا واكتشف أن هناك جزءًا من حياته لم ينظر إليه يومًا.
لم يكن يقصد سوى شراء قهوة.
سائقه أخطأ الطريق بالقرب من شارع فؤاد، فقرر رامي أن ينزل بدلًا من الانتظار في الزحام.
كان المكان تفوح منه رائحة الزبدة والقرفة والخبز الطازج ذلك النوع من الأماكن التي يمر بها عادة دون أن يلاحظها.
ثم رآها.
ليلى منصور.
زوجته السابقة.
للحظة، ظن أن عقله يخدعه.
مرت ست سنوات منذ طلاقهما، والمرأة التي تقف أمامه لم تعد تلك السيدة الأنيقة التي كانت ترافقه في حفلات التبرعات.
كان شعرها مربوطًا بشكل بسيط.
ترتدي سترة عادية.
وحذاؤها بدا وكأنه أنهكه السير الطويل.
لكن عينيها
هما ما جعل رامي يتوقف عن التنفس.
كان فيهما تعب لا يمكن للمال أن يخفيه.
وبجوارها
وقف طفلان صغيران.
كانا متشابهين تمامًا.
شعر بني فاتح، عيون لامعة مليئة بالفضول، وحقائب صغيرة معلقة على أكتافهما.
أحدهما كان يحدّق في لفائف القرفة خلف الزجاج.
والآخر كان يمسك بدفتر مليء برسومات صواريخ وكواكب ونجوم.
وفي تلك اللحظة
شعر رامي بشيء غريب يتسلل إلى صدره.
لأن الطفلين
كانا يشبهانه بشكل لا يمكن إنكاره.
حين بدأ كل شيء يتكشف
تجمّد رامي في مكانه، وكأن الزمن توقف فجأة.
لم تكن مجرد ملامح عابرة
ولا تشابه عادي يمكن تجاهله.
كان يرى نفسه فيهما.
في طريقة وقوفهما في نظراتهما حتى في تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها إلا الأب.
ابتلع ريقه بصعوبة، وحاول أن يقنع نفسه أنه يبالغ.
مستحيل
لكن قلبه لم يصدّق.
اقترب خطوة ببطء، دون أن يشعر.
ليلى لم تنتبه له بعد كانت منشغلة بإخراج بعض العملات المعدنية من حقيبتها، تعدّها بدقة شديدة، وكأن كل جنيه له قيمة لا يمكن التفريط فيها.
قالت للبائع بصوت منخفض
لو سمحت ممكن رغيفين بس النهارده.
رمقها رامي بدهشة.
هذه المرأة كانت يومًا ما تختار أفخم الأماكن دون أن تنظر للأسعار.
ماذا حدث لها؟
وقبل أن يستوعب، سمع صوت أحد الطفلين
ماما أنا مش جعان قوي، خدي الفلوس وخليها ليوم تاني.
انقبض قلبه.
أما الطفل الآخر، فظل ممسكًا بدفتره، يهمس
أنا رسمت صاروخ جديد لما أكبر هسافر الفضاء.
تجمّد رامي أكثر.
كان هذا هو حلمه القديم.
نفس الكلمات نفس الشغف.
شعر وكأن العالم يضيق حوله.
وفي لحظة لا إرادية، نطق اسمها
ليلى؟
رفعت رأسها ببطء.
وعندما التقت أعينهما
تغيّر كل شيء.
تسارعت أنفاسها، وشحب وجهها، وكأنها رأت شبحًا من الماضي.
همست
رامي؟
ساد صمت ثقيل بينهما.
أما الطفلان، فنظرا إلى الرجل الغريب بفضول
ثم تبادلا نظرة سريعة، وكأنهما يحاولان فهم ما يحدث.
لاحظ رامي ذلك ولاحظ شيئًا آخر أخطر.
نفس النظرة.
نفس الطريقة.
خطوة أخرى للأمام، وصوته أصبح أكثر حدة
دول مين؟
ترددت ليلى.
لأول مرة، بدا عليها الخوف الحقيقي.
نظرت إلى الطفلين، ثم إليه وكأنها تقف على حافة سر لا يمكن إخفاؤه بعد الآن.
قالت بصوت مكسور
رامي مش هنا.
لكن رامي لم يتحرك.
لم يعد قادرًا على الهروب.
خمسة أعوام من حياته
قد تكون كذبة كاملة.
وفي تلك اللحظة، شدّ أحد الطفلين طرف قميص ليلى وسأل ببراءة
ماما مين الراجل ده؟
سقط السؤال كالصاعقة.
نظر رامي إليه مباشرة
وشعر أن قلبه سيتوقف.
لأنه رأى الإجابة
في عيون الطفل قبل أن تنطق بها ليلى.
لكن ما لم يكن يعرفه بعد
أن الحقيقة الكاملة
لم تكن في الطفلين فقط.
بل في ورقة واحدة صغيرة
موجودة داخل الحقيبة المدرسية.
ورقة
ستقلب حياته رأسًا على عقب.
الورقة التي قلبت كل شيء
لم ينتظر رامي أكثر.
مدّ يده فجأة نحو الحقيبة الصغيرة المعلقة على كتف أحد الطفلين، وكأن قوة خفية تدفعه لمعرفة الحقيقة بأي ثمن.
صرخت ليلى بسرعة
رامي استنى!
لكن كان الأوان قد فات.
فتح الحقيبة، وأخرج الدفتر ثم سقطت منه ورقة مطوية على الأرض.
انحنى والتقطها.
مجرد ورقة مدرسية عادية
لكن ما كُتب فيها لم يكن عاديًا أبدًا.
توقّف الزمن.
عيناه تتحركان ببطء فوق السطور
اسم الطالب ياسين الكيلاني
اسم الطالب يونس الكيلاني
اسم ولي الأمر رامي الكيلاني
تجمّد.
شعر وكأن الأرض سُحبت من تحته.
رفع عينيه نحو ليلى بصدمة
إيه ده؟!
لم تجب.
فقط أغمضت عينيها للحظة وكأنها استسلمت أخيرًا للحقيقة التي حاولت إخفاءها لسنوات.
صوته خرج مرتعشًا
يعني دول ولادي؟!
سقطت الدموع من عينيها دون أن تحاول إخفاءها.
أيوه يا رامي دول ولادك.
صمت.
صمت ثقيل أقسى من أي صراخ.
نظر إلى الطفلين مرة أخرى
هذه المرة لم يعد يرى مجرد تشابه.
بل يرى حياته التي لم يعشها.
خمسة أعوام
خمسة أعوام كاملة ضاعت منه.
اقترب خطوة، صوته أصبح أهدأ لكنه أخطر
إزاي؟ إزاي تخبي عني حاجة زي دي؟!
تنهدت ليلى، وكأنها تحمل جبالًا فوق صدرها
يوم ما سبنا بعض كنت أنا حامل.
اتسعت عيناه.
وما قلتليش؟!
هزّت رأسها
إنت كنت واضح يا رامي قلت إنك مش عايز أطفال وإن الشغل أهم من أي حاجة.
 

تم نسخ الرابط