انت الي عزمتهم بقلم مني السيد

لمحة نيوز

أول سطر
يا سعاد... إذا وصلتِ لهذه الرسالة يومًا، فمعناه أن هناك سرًا لم أستطع كشفه وأنا حي...
وقبل أن يكمل السطر التالي...
مدت أم أحمد يدها فجأة وخطفت الرسالة من بين يديه.
ثم مزقتها نصفين أمام الجميع.
عندها فقط...
عرف الجميع أن السر الموجود في الرسالة أخطر بكثير مما كانوا يتخيلون.
أما أحمد...
فنظر إلى والدته نظرة لم ينظرها لها في حياته كلها.
وقال بصوت بارد
واضح إنكِ كنتِ تعرفي محتوى الرسالة من البداية...
وهنا...
انهار كل شيء.
النهاية بعد ما مزّقت أم أحمد الرسالة...
لم يتحرك أحد.
الكل كان مصډوم.
أما أحمد فظل ينظر إليها نظرة طويلة مخيفة.
وقال بهدوء
إنتِ عرفتي محتواها إزاي؟
ارتبكت.
ولأول مرة منذ عرفتها...
لم تجد ردًا سريعًا.
قالت وهي تحاول التماسك
ماعرفش... اتوترت بس.
لكن عمرو هز رأسه.
لا... إنتِ عرفتي.
ثم انحنى وجمع قطع الرسالة من على الأرض.
كانت ممزقة إلى أجزاء كبيرة نسبيًا.
وبدأ يركبها فوق السفرة.
واحد من الضيوف ساعده.
ثم آخر.
وخلال دقائق...
بدأت الكلمات تظهر من جديد.
أم أحمد شحب وجهها أكثر.
أما أنا فكنت أتابع المشهد وقلبي يكاد يخرج من صدري.
نجحوا في تجميع معظم الرسالة.
وكان أول ما ظهر فيها
يا سعاد... إذا قرأتِ هذه الرسالة فاعلمي أن هناك أمرًا أخفي عنك سنوات طويلة...
سكت الجميع.
وأكمل عمرو القراءة.
الحقيقة أن والدك لم يبع الأرض التي كانت تخصه بإرادته...
اتسعت عيناي.
والدي؟
ما علاقة أبي بالأمر؟
أكمل عمرو
لقد تعرض لخسارة كبيرة بسبب شخص وثق فيه...
بدأت أم أحمد تبكي فجأة.
بكاءً لم أره منها من قبل.
لكن أحدًا لم يلتفت إليها.
الكل كان منصتًا.
وهذا الشخص هو...
توقفت الكلمات.
لأن الجزء الذي يحتوي على الاسم كان ممزقًا ومفقودًا.
تبادل الجميع النظرات.
ثم فجأة...
تكلمت أم أحمد.
بصوت مڼهار.
كفاية...
نظر إليها أحمد.
فقالت وهي تبكي
كفاية... أنا هقول.
ساد الصمت.
وقالت
أبوك استلف فلوس من والد سعاد زمان.
اتسعت أعين الجميع.
وكان المفروض يرجعها.
شهقتُ.
لأنني لم أسمع بهذا من قبل.
وأكملت
لكن المشروع خسر... والد سعاد خسر أرضه... وأبوك فضل طول عمره حاسس بالذنب.
نظر أحمد إلى الأرض.
أما عمرو فبدا وكأنه يسمع القصة لأول مرة.
ثم قالت أم أحمد الجملة التي قلبت كل شيء
وعشان كده أبوك كان ناوي يعوض سعاد من نصيبه... وكان كاتب ده في الرسالة.
ساد الصمت من جديد.
لكن أحمد لم يقتنع.
رفع رأسه ببطء.
وقال
في حاجة ناقصة.
إيه؟
لو الموضوع مجرد دين قديم... ليه خبّيتي الرسالة كل السنين دي؟
تجمدت ملامحها.
ولم تجب.
هنا فهم الجميع.
أن الاعتراف الذي سمعوه الآن...
لم يكن الحقيقة كاملة.
بل مجرد جزء منها.
جزء صغير جدًا.
أما السر الحقيقي...
فما زال مدفونًا في السطور المفقودة من الرسالة.
والأخطر...
أن الشخص الذي يحتوي على اسمه الجزء الممزق...
كان لا يزال حيًا.
ويعيش بينهم حتى هذه اللحظة...
يتبع... تبادل الجميع النظرات في صمت ثقيل.
وأم أحمد كانت تبكي، لكن دموعها لم تعد تقنع أحدًا.
أحمد اقترب منها خطوة وقال
مين هو؟
لم ترد.
مين الشخص اللي كان اسمه في الرسالة؟
ظلت صامتة.
ثم فجأة...
صدر صوت من آخر الصالة.
صوت رجل كبير كان حاضرًا العزومة وساكت طول الوقت.
عم جابر.
رفع رأسه وقال
أنا أعرف.
التفتت كل الوجوه نحوه.
حتى أم أحمد اتسعت عيناها بړعب.
فهم الجميع في اللحظة نفسها أنها تعرف ما سيقوله.
عم جابر تنهد طويلًا.
وقال
لأنني كنت شاهد على اللي حصل.
أحمد جلس ببطء.
أما أنا فشعرت أن قلبي سيتوقف.
وأكمل عم جابر
من أكتر من عشرين سنة... والد سعاد ووالد أحمد دخلوا مشروع مع بعض.
هز رأسه بأسى.
وكان الاتفاق واضح. مكسب أو خسارة بينهم.
ثم صمت لحظة.
وأضاف
لكن لما المشروع بدأ يقع... حد لعب في الحسابات.
ساد الصمت.
ووالد سعاد اتحمل الخسارة كلها لوحده.
شهقتُ.
أحمد قبض على طرف الكرسي بقوة.
أما أم أحمد فأغلقت عينيها.
ثم قال عم جابر
والشخص اللي غيّر الحسابات...
وتوقف.
كأن الكلمات ثقيلة جدًا.
الجميع كانوا ينتظرون الاسم.
ثم قال أخيرًا
ماكانش والد أحمد.
ارتبكت الوجوه.
إذا لم يكن هو...
فمن؟
رفع عم جابر إصبعه ببطء.
وأشار إلى شخص داخل الغرفة نفسها.
شخص لم
يتوقعه أحد.
وفي اللحظة التي التفتت فيها الأنظار إليه...
تغير لون وجهه تمامًا.
أما أحمد...
فنهض من مكانه مصدومًا وهو يهمس
مستحيل...
لأن الشخص الذي أشار إليه عم جابر...
لم يكن غريبًا.
ولم يكن بعيدًا عن العائلة.
بل كان واحدًا من أقرب الناس إليهم.
شخصًا جلس على سفرتهم عشرات المرات...
ودخل بيتهم بلا استئذان...
وحمل أسرار العائلة كلها لسنوات.
والأخطر من ذلك...
أن ذلك الشخص نهض فجأة من مكانه...
واتجه نحو الباب محاولًا الهرب.
يتبع... ما إن تحرك الرجل ناحية الباب...
حتى وقف أحمد في طريقه.
على فين؟
تجمد الرجل مكانه.
والعرق بدأ يظهر على جبينه.
أما الحاضرون فوقفوا واحدًا تلو الآخر.
لا أحد كان يفهم ما يحدث بالكامل.
لكن الجميع أدرك أن الهروب في هذه اللحظة معناه شيئًا واحدًا...
أنه يخفي سرًا.
عم جابر أشار إليه مرة أخرى وقال
قولهم الحقيقة بنفسك.
الرجل بلع ريقه.
وحاول يبتسم.
حقيقة إيه؟ أنتم فاهمين غلط.
لكن صوته المرتعش فضحه.
اقترب عمرو ووضع الملف الأزرق فوق السفرة.
ثم أخرج منه عدة أوراق قديمة.
أوراق حسابات.
إيصالات.
وصور مستندات باهتة من أكثر من عشرين سنة.
وقال
أبويا احتفظ بنسخ.
فتح أول ورقة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وكلها كانت تحمل توقيع الشخص نفسه.
في تلك اللحظة...
جلس الرجل على الكرسي كأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
أما أم أحمد فوضعت يدها على وجهها.
وكأنها كانت تتمنى ألا يصل هذا اليوم أبدًا.
قال أحمد بصوت منخفض
أمي كانت عارفة؟
لم تجب.
لكن صمتها كان أوضح من أي اعتراف.
هنا شعر الجميع أن القصة أكبر مما كانوا يظنون.
ليست مجرد أموال.
وليست مجرد أرض ضاعت.
بل سنوات كاملة من الأسرار والندم والسكوت.
ثم فتح عمرو آخر مظروف في الملف.
وقال
وده السبب الحقيقي اللي خلّى أبويا يكتب الرسالة لسعاد.
أخرج ورقة صفراء قديمة.
كان عليها خط والد أحمد.
قرأ أول سطر
إذا وصلت هذه الرسالة يومًا، فاعلموا أنني أخطأت عندما سكت...
ساد الصمت.
لم أسرق أحدًا، لكنني عرفت الحقيقة ولم أواجهها.
بدأت الدموع تنزل من عيني أم أحمد.
وأكمل عمرو
كنت أظن أن الوقت سيصلح كل شيء، لكنه لم يفعل.
ثم وصل إلى السطر الأخير.
وتوقف.
نظر إلى أحمد.
ثم إليّ.
وقال
السطر الأخير هو الأهم.
حبس الجميع أنفاسهم.
وقرأ
سامحوني... فقد تركت لكم سرًا كان يجب أن أكشفه بنفسي.
أغلق عمرو الرسالة.
ولم يتكلم أحد.
لعدة ثوانٍ.
ثم حدث شيء لم يكن متوقعًا.
الشخص المتهم رفع رأسه فجأة.
وقال
أيوه... أنا عملتها.
وتحولت القاعة إلى فوضى.
لكن قبل أن يكمل اعترافه...
رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة.
فتغير وجهه بالكامل.
لأن المتصل كان شخصًا لم يسمعوا عنه منذ سنوات طويلة.
شخصًا كان الجميع يعتقد أنه اختفى إلى الأبد...
والاسم الظاهر على الشاشة كان كفيلًا بقلب القصة كلها من جديد.
يتبع... نظر أحمد إلى شاشة الهاتف للحظات طويلة.
ثم همس
مستحيل...
عمرو خطڤ الهاتف من إيده تقريبًا.
وبص للاسم.
فتجمد مكانه هو كمان.
أما الباقي فكانوا في قمة التوتر.
قلت بسرعة
مين؟
رفع أحمد رأسه ناحيتي.
وكانت الصدمة واضحة في عينيه.
وقال
صاحب الأرض.
ساد الصمت.
صاحب الأرض؟
لكن صاحب الأرض كان قد ټوفي منذ أكثر من عشرين سنة!
على الأقل...
هذا ما كانت العائلة كلها تعتقده.
رن الهاتف مرة ثانية.
ثم ثالثة.
وفي النهاية ضغط أحمد على زر الرد.
رفع السماعة ببطء.
وقال
ألو؟
جاء صوت رجل مسن من الطرف الآخر
أخيرًا رديت يا أحمد.
ارتعش جسد عم جابر فور سماعه الصوت.
وقال بصوت مخڼوق
يا نهار أبيض... ده هو.
الجميع تجمد.
أما الرجل الذي اعترف قبل دقائق...
فأصبح شاحبًا كالأموات.
الصوت أكمل
أنا تعبت من السكوت... والوقت جه عشان الحقيقة كلها تظهر.
قال أحمد بسرعة
إنت فين؟
رد الرجل
تحت البيت.
قفز الجميع من أماكنهم.
وتوجهوا ناحية الشرفة.
وبالفعل...
كانت هناك سيارة قديمة متوقفة أمام العمارة.
وبجوارها رجل عجوز يتكئ على عصا.
يرفع رأسه نحو الشقة.
أم أحمد شهقت وكادت تسقط.
لأنها تعرفه جيدًا.
بل أكثر من أي شخص آخر.
بعد دقائق...
كان الرجل جالسًا وسط الجميع.
نظر إليّ مباشرة.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا أصفر قديمًا.
وقال
الظرف ده كان المفروض يوصلك من زمان.
مد يده نحوي.
أخذته وأنا أرتجف.
وعندما فتحت الظرف...
وجدت بداخله صورة قديمة جدًا.
صورة تجمع والدي...
ووالد أحمد...
وذلك
الرجل العجوز.
لكن خلف الصورة كانت هناك عبارة
تم نسخ الرابط